أيُّ سوريين في المهجر لتعافي سوريا؟

  • 2026-10-08
  • 10:56

أيُّ سوريين في المهجر لتعافي سوريا؟

  • سمير العيطة*

باتت وفود السوريين في المهجر تتوافد على بلدهم، وباتت السلطة الجديدة والمؤسسات الدولية تتحدّث عن السوريين في المهجر باعتبارهم أحد الروافد الرئيسية لتمويل إعادة التعافي. إلاّ أنّه ليس هناك "مهجر سوري"(diaspora) واحد. وهذه ربما أهم نقطة ينبغي الانطلاق منها عند الحديث عن دور السوريين في الخارج في تعافي بلدهم. فالسوري الذي يرسل مئتي دولار شهرياً إلى عائلته من ألمانيا، والطبيب السوري في الولايات المتحدة الذي يعود في مهمّة طبية، ورجل الأعمال الحلبي الذي بنى مصنعه في مصر، وشبكة جمعيات من أبناء حماة تجمع عشرات الملايين، ورجل أعمال من أصلٍ سوري يقود شركة قطرية بمليارات الدولارات، لا يقومون بالفعل الاقتصادي نفسه، ولا تتحرّك أموالهم بالدوافع ذاتها.

لهذا فإن الحديث العام عن "رأس مال السوريين في الخارج" قد يكون مضلّلاً. ويجب التمييز بين أربعة أنماط: تحويلات الأسر، والعمل الجماعي المنظّم، والاستثمار الريادي المباشر، ثم رأس المال المرتبِط بسياسات دولة الإقامة وشركاتها. ولكلٍّ من هذه الأنماط منطقه وأثره المختلِف في التعافي.

ما زالت التحويلات الأسريّة (remittances) أوسع أشكال مساهمة السوريين في الخارج. وهذه ليست تفصيلاً صغيراً؛ فهي بالنسبة إلى ملايين الأسر مصدر لتأمين الحدّ الأدنى من الغذاء والإيجار والصحة والتعليم وإصلاح المسكن. وكانت هذه التحويلات قد قُدّرت رسميّاً بنحو 3.7 مليارات دولار عام 2023، بينما تكشف الفجوة بين الأرقام الرسمية وتقديرات التحويلات غير الرسمية عن حجمٍ أكبر من ذلك بكثير حتّى قبل سقوط النظام السابق. أضِف أنّ إجماليها قد ازداد بشكلٍ كبير بعد السقوط، لتصبح هذه التحويلات هي الرافد الأساسيّ لمعيشة السوريين، خاصّةً أكثرهم فقراً وهشاشةً... وكذلك الحركة الاقتصادية في سوريا.

لكن الالتباس يبدأ حين يُنظر إلى هذه الأموال وكأنّها مدخرات جاهزة لتمويل المشاريع والمصانع. فالأسرة التي تُنفِق التحويل على الغذاء أو إصلاح منزلها لا "تهدر" المال، بل تقوم بوظيفة اقتصادية واجتماعية أساسية. إنّها قبل كلّ شيء... أموال بقاء، خاصّةً في ظلّ الارتفاع الجنونيّ في تكاليف المعيشة الحالية. ولا يمكن تحويل جزء من هذه التحويلات من الاستهلاك والاستيراد إلى الاستثمار إلاّ عبر استعادة الثقة بالمصارف، وهي ثقة قوضّتها السياسات النقديّة خلال ما يقرب من السنتين الأخيرتين.

وهنا يظهر أحد أكبر عوائق التعافي: أنّ الاقتصاد أضحى اقتصاداً نقديّاً (cash economy) على نطاقٍ واسع، رغم ظهور وسائل الكترونية كمنصّة "شام كاش"، يعتمد على الحوالات وشركات الصرافة، وكذلك على محافظ رقمية لا تساهم، بحدّ ذاتها، في خلق منظومة للائتمان والإقراض. فإذا دخل المال عبر تطبيق ثم سُحب فوراً نقداً، أصبح التحويل فعلاً أسرع، لكنّه لا يتحول إلى وديعة يستطيع مصرف من خلالها تمويل مصنع أو مشروع سكن أو مؤسسة صغيرة.

يرتبط النمط الآخر من مساهمة "المهجر السوري" بالشبكات الجماعيّة، سواءً أكانت متجسّدة في "منظّمات غير حكومية" (NGOs) أم في شبكات اجتماعيّة ومناطقيّة. وفي هذا المجال تبرز مفارقات مناطقيّة كبيرة، مثلاً بين حمص وحماة.

فقد شهدت حمص حروباً طاحنة، وتقديرات الدمار فيها أكبر بكثير من تلك في حماة. إلاّ أنّه عندما انطلقت حملات التبرّع للتعافي والمساهمة في الإعمار، تمّ الإعلان عن تعهدّات لسوريي "المهجر" بحوالي 13 مليون دولار "لأربعاء حمص" مقابل 210 مليون دولار في "فداءً لحماة". وبمعزلٍ عن مدى تحوّل هذه التبرّعات إلى مدفوعات فعليّة وعن سبل إنفاقها، فإنّ هذه الفجوة تستحقّ التفسير، خصوصاً أنّ التعافي في حماة – دون ريفها – يبدو أسرع منه في حمص.

ويُمكِن أن يكمُن التفسير في كثافة الشبكات الاجتماعية في حماة وتنظيمها. فقد أنتج المنفى السياسي القديم لأبناء حماة، منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، روابط عائلية ودينية ومهنيّة وتجارية استمرّت لعقود، وخصوصاً في الخليج والولايات المتحدة. وقد اكتسبت هذه الشبكات التي تشكّلت تاريخياً قدرةً عالية على جمع الموارد وتنظيمها، في حين كانت موجات هجرة أبناء حمص أحدث وأكثر تشتّتاً.

وهنا تكمُن مشكلة وطنية أساسية: إذا تُرِكَ التعافي لقدرة كلّ مدينة على تعبئة أبنائها في الخارج، أو ما راكمته من دعمٍ وشبكات خلال سنوات الصراع، فسوف تتعافى المدن ذات الشبكات الأكثر تنظيماً وثراءً، والتي راكمت دعماً أكبر منظمات غير حكومية ممولة من الخارج، بشكلٍ أسرع من المدن الأكثر حاجةً. لذلك لا بد من آليات وطنية لتحقيق توازنٍ بين قدرة المجتمع المحلي على جمع المال وحجم الاحتياجات الاجتماعية والدمار الفعليين. كما أنّ بعض هذه المنظّمات المموّلة خارجياً باتت تؤدّي بعض أدوار الدولة، محليّاً أو وطنيّاً. 

أما النمط الثالث فهو الاستثمار الحقيقي: مصنعٌ، شركة، مزرعة، خدمة تكنولوجية أو مشروع لوجستي. وهنا تختلف الحسابات جذرياً. فالصناعي الحلبي الذي غادر سوريا وأقام مصنعاً ناجحاً في مصر أو تركيا لا يكفي أن يُطلَب منه "العودة إلى الوطن". فقد راكم خلال سنوات منظومة اقتصادية كاملة حوله: عمّالاً ومورّدين وعلاقات مصرفية وأسواقاً وتراخيص. والعودة الكاملة تعني بالنسبة له التخلّي عن جزء من أصلٍ اقتصادي قائم. لذلك قد تكون العودة الجزئية أكثر واقعيةً: خط إنتاج في سوريا، تخزين، شراكة، تعهيد، أو توزيع الوظائف بين بلدين. وهنا تبدو أيضاً مفارقات واضحة: فجزءٌ ملحوظ من صناعيي حلب في الخارج ما زال حذراً، ينتظر كهرباء مستقرّة، ومنظومة ائتمان، وجمارك واضحة، وشبكات نقل، وقنوات تصدير، ومن دونها ستبقى التجارة أكثر جاذبيةً من المصنع. بينما تتحرّك شبكات أعمال سورية صناعية أحدث عهداً في تركيا بصورةٍ أسرع لأنها تعمل أصلاً داخل اقتصاد حدوديّ يربط جنوب تركيا بشمال سوريا. وليست ميزتها "الوطنية" هي الأكبر، بل اندماجها في الاقتصاد التركي.

إلاّ أنّ أكثر الحالات التباساً هي رجال الأعمال من أصلٍ سوري الذين أصبحوا جزءاً من اقتصادات دولٍ أخرى. هنا يصعب وصف الاستثمار بأنّه مجرد "رأس مال سوري عائد". فشركة قطرية يقودها رجال أعمال من أصلٍ سوري، وتموّلها مصارف خليجية ودوليّة، وتدعمها بيئة وضمانات سياسية قطرية، هي استثمارٌ قطريّ بالدرجة الأولى، حتى لو كان أصحابها من أصولٍ سوريّة ويملكون روابط عائلية في البلاد. والأمر نفسه ينطبق على استثمارات رجال أعمالٍ من أصول سورية في دولٍ أخرى.

بالطبع، قد يكون هذا النوع من رأس المال مهمّاً جداً لسوريا، لكنّه يحمل معه أيضاً مصالح دولة الإقامة: أمنها الغذائي، وشبكات الموانئ والتجارة، وممرّات الطاقة والاتصالات، أو النفوذ الإقليمي. وهنا يجب ألاّ يكون السؤال عن حجم الاستثمارات المعلنة، بل: كيف تمّ منح الامتياز؟ وأين تذهب القيمة المضافة المنتجة والأرباح؟ وما العائد الحقيقي على معيشة السوريين؟ أي: إلى أيّ حد يمكن وصف هذا المستثمر بأنّه "سوريّ" اقتصادياً؟ وإلى أيّ حد يمثّل اقتصاد ومصالح دولة أخرى؟ وهل تنوّع الدولة روابطها الاقتصاديّة مع الخارج بين دولٍ متعدّدة؟

وفي الواقع، يحتاج التعافي إلى سياسة دولة… لا إلى الحنين وحده. فالحنين إلى الوطن يُمكن أن يدفَع السوري إلى زيارة بلده أو التبرّع لمدينته أو إلى افتتاح وكالة تجارية، لكنّ ذلك لا يكفي لبناء اقتصاد. والتعافي الحقيقي لن يحدث إذا بقيت الأموال موزّعة بين تحويلات أسرية نقدية، وحملات تبرّع مناطقية، وصفقات ضخمة غير شفافة.

والتحدّي الحقيقي هو تحويل تعدّد السوريين في المهجر من عامل تفاوتٍ في البلاد إلى مصدر قوّةٍ لها: عبر حماية التحويلات الأسريّة، وتنظيم عمل "المنظّمات غير الحكوميّة" بشفافية، وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإعادة تنشيط القطاع المصرفي، الذي يُتعبر صموده النسبيّ أثناء سنوات الصراع استثنائيّاً في المنطقة، وكذلك عبر وضع قواعد واضحة على الاستثمارات الكبرى المرتبطة بالدول الأجنبية وتنويع مصادرها وشركائها.

بالتالي، ليس السؤال فقط: كم يملك السوريوّن في المهجر؟ بل: ما شكل انخراطهم في تعافي سوريا ومعيشة السوريين؟ وبأيّ أدوات؟ وبأيّ علاقات مع الدول التي يعيشون فيها؟ وإلى أيّ مناطق وقطاعات تتجه مواردهم؟ عندها فقط يُمكِن لموارد السوريين في المهجر أن تصبح قوّة فعليّة للتعافي الوطني، لا مجرّد انعكاس جديد للتفاوتات القديمة بين المدن والمناطق والشبكات، أو ساحة للتنافس الخارجي على النفوذ.

وهنا يبرز الدور الحاسم للدولة التي من دون دورها التنظيمي والتوازني، قد يتحوّل تعدد مصادر التمويل من فرصة للتعافي إلى عاملٍ جديد لانعدام المساواة والتبعية الخارجية.

 *رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

 نشر المقال في صحيفة الشروق المصرية بتاريخ 28 أيول/سبتمبر 2026