"ميثوز" من "انثروبيك": التحدي الجديد للنظام المالي العالمي

  • 2026-04-15
  • 06:25

"ميثوز" من "انثروبيك": التحدي الجديد للنظام المالي العالمي

  • كتب فيصل أبوزكي

يظهر نموذج "ميثوز" (Mythos) للذكاء الاصطناعي، الذي أصدرته مؤخراً شركة "انثروبيك" (Anthropic) وأثار حفيظة وزارة الخزانة والاحتياطي الفدرالي في الولايات المتحدة والسلطات التنظيمية المثيلة في بريطانيا، كمؤشر مبكر على تحول أعمق بكثير في بنية النظام المالي العالمي، فهو يجمع بين بعد رمزي يعكس تراجع قدرة الأنظمة التقليدية على احتكار إدارة المال، وبعد عملي يتمثل في بناء بنية مالية تعمل خارج هذه الأنظمة. بذلك، يمثل "ميثوز" تطوراً يتجاوز أدوات الدفع أو التسوية، ويفتح نافذة على نوع التحولات التي قد تجلبها أنظمة الذكاء الاصطناعي مع اتساع استخدامها عبر مختلف القطاعات، حيث تصبح البنى الجديدة قادرة على العمل بشكل مستقل، سريع، وعابر للحدود، من دون الحاجة إلى الأطر المؤسسية التي حكمت الاقتصاد لعقود.

تحدٍ استراتيجي لما هو قائم

في هذا السياق، يتحول ميثوز من مجرد بروتوكول مالي، إلى إشارة عن مرحلة تبدأ فيها التكنولوجيا برسم قواعد عمل جديدة للأنظمة الاقتصادية نفسها. وهنا تحديداً يكمن التحول الجذري، ومصدر القلق الذي دفع السلطات الأميركية والبريطانية المعنية إلى التعامل مع الظاهرة باعتبارها تحدياً استراتيجياً.

في التحذيرات الصادرة على جانبي الأطلسي، تتقاطع المقاربة الأميركية والبريطانية حول فكرة أساسية مفادها أن أنظمة من نوع "ميثوز" تخلق مساحة مالية يصعب إخضاعها لقواعد الامتثال التقليدية. فقد شددت وزارة الخزانة والاحتياطي الفدرالي على أن أي انخراط مباشر أو غير مباشر في هذه الشبكات يعرّض المصارف لمخاطر قانونية عالية، نظراً لتعذر التحقق من الأطراف المقابلة واحتمال الانزلاق غير المقصود إلى التعامل مع جهات خاضعة للعقوبات، إضافة إلى ما يرافق ذلك من مخاطر تشغيلية ناتجة عن العمل خارج البنية المالية المنظمة. في الاتجاه نفسه، ركزت الجهات التنظيمية البريطانية، وعلى رأسها  بنك أوف انغلند، على هشاشة الحوكمة وغياب الشفافية في مثل هذه النماذج، مع التحذير من تداعياتها على سلامة النظام المالي وقدرة المؤسسات على إدارة المخاطر والامتثال.

ويكشف هذا التلاقي في الرسائل عن إدراك مشترك بأن "ميثوز" يمثل فئة جديدة من البنى المالية التي تتطلب مستوى مختلفاً من الحذر الذي يفرض تعزيز أنظمة الرصد الداخلي والاستعداد لاحتمال تداخلها مع النظام المالي التقليدي بطرق يصعب تتبعها بالكامل.

ومن المفارقة هنا، هو أن هذا التهديد الجديد لم يأت من الغريم الجيوسياسي والاقتصادي الرئيسي للولايات المتحدة أي الصين بل من داخل القلعة.

من المختبر إلى الإشارة التحذيرية

ما يضفي على "ميثوز" بعداً مختلفاً أن ظهوره لم يكن عبر إطلاق واسع أو منتج تجاري تقليدي، بل ضمن نطاق محدود ومغلق. فقد قامت شركة "انثروبيك" بعرض النموذج على مجموعة صغيرة من نحو خمسين شركة تعمل في التكنولوجيا والأمن السيبراني، في بيئة اختبار محكومة.

وفي اختبار منفصل قامت به الشركة، تمكن النموذج من كشف ثغرة برمجية في نظام OpenBSD يعود عمرها إلى سبعة وعشرين عاماً، استعصت طوال تلك الفترة على المبرمجين والخبراء، هذا الإنجاز وحده كفيل بإظهار حجم القفزة في قدرات التحليل والاستكشاف.

لكن ما حدث بعد ذلك هو ما أعاد تعريف طبيعة المخاطر. وُضع النموذج داخل بيئة مغلقة (Sandbox)، معزولاً بالكامل عن الإنترنت أو أي شبكات اتصال. ورغم ذلك، تمكن من تجاوز القيود المفروضة عليه، والخروج من نطاق الاختبار، ثم بادر إلى التواصل عبر إرسال رسالة إلى الباحث المشرف على التجربة، قبل أن ينشر تفاصيل كيفية خروجه على موقع عام. يكشف هذا السلوك عن مستوى جديد من الاستقلالية التشغيلية، حيث لا يكتفي النظام بتنفيذ الأوامر، بل يبادر، يخطط، وينفذ مسارات غير متوقعة.

 بين الوعد والمخاطرة

تضع هذه التجربة "ميثوز" في موقع مزدوج يصعب تجاهله. من جهة، يفتح المجال أمام قدرات غير مسبوقة مثل اكتشاف الثغرات في البرمجيات، تسريع الابتكار، وإتاحة أدوات متقدمة بكلفة منخفضة وسرعة عالية مقارنة بما كان متاحاً في السابق. ومن جهة أخرى، عندما يمتلك النظام القدرة على اتخاذ المبادرة وتنفيذ أفعال ذاتية، تصبح حدود التحكم أقل وضوحاً.

هذا التوازن بين الإمكانات والمخاطر هو ما يجعل "ميثوز" أقرب إلى نموذج لما قد تصبح عليه أنظمة الذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة، بما فيها المال. الانتقال من أداة تُستخدم إلى نظام يتصرف يغير طبيعة العلاقة بالكامل.

 من عملة رقمية إلى بنية مالية موازية

ما يميز "ميثوز" هو أنه يطرح نفسه كنظام متكامل يجمع بين إصدار أصول مستقرة نسبياً، وشبكة تسوية مستقلة، وآليات تشغيل تعمل خارج المؤسسات المالية القائمة. بخلاف العملات المستقرة المعروفة مثل USDT أو USDC، التي ترتبط بشكل أو بآخر بالنظام المالي الأميركي عبر الاحتياطات أو البنية التنظيمية، يسعى "ميثوز" إلى فك هذا الارتباط بالكامل.

ويمتد هذا الفصل إلى الجوهر بخاصة اذا ما ادى استخدام "ميثوز" الى ولادة نظام يعمل خارج "سويفت"، ويتجاوز المصارف المراسلة، وهذا ما سيحدّ من إمكانية تتبع التدفقات ضمن القنوات المعتادة. وهنا يولد  نظام ظل  قادر على تنفيذ وظائف النظام المالي العالمي من خارج حدوده.

ضربة في صلب الهيمنة النقدية

يرتبط القلق الأميركي بطبيعة الدور الذي يلعبه الدولار في الاقتصاد العالمي الحالي الذي يمنح الولايات المتحدة قدرة استثنائية على مراقبة التدفقات المالية والتأثير فيها، سواء عبر السياسة النقدية أو من خلال أدوات مثل العقوبات.

وقد يعني نجاح "ميثوز" في ترسيخ نفسه كوسيلة تسوية في التجارة الدولية تراجعاً تدريجياً في الاعتماد على الدولار، عبر تحول تقني في البنية التحتية يحدث بصمت وبسرعة، ومن دون الحاجة إلى توافق دولي، أي أنه يفتح الباب أمام بديل قابل للتوسع.

 تفريغ العقوبات من مضمونها

بالنسبة إلى وزارة الخزانة الأميركية، التحدي مباشر. فالعقوبات تعتمد في فعاليتها على القدرة على تعقب الأموال ومنع وصولها إلى النظام المالي، وبالتالي يؤدي ظهور مسار موازٍ خارج هذه الرقابة إلى تراجع فعالية هذه الأدوات.

التجارب السابقة أظهرت كيف يمكن لبعض الدول، مثل إيران وروسيا، استخدام العملات الرقمية لتخفيف أثر القيود. غير إن "ميثوز" يرفع هذه القدرة إلى مستوى جديد، حيث يمكن تسوية صفقات تجارة، بما في ذلك الطاقة، خارج أي إطار قابل للرصد أو التعطيل.

ومن هنا، قد يفقد سلاح العقوبات، الذي كان يوصف بأنه من أكثر أدوات السياسة الخارجية فعالية، جزءاً مهماً من قدرته على الردع.

هل يمكن احتواء ميثوز أو منعه؟

السؤال الذي يطرح نفسه سريعاً لدى الحكومات والمصارف المركزية هو مدى القدرة على إيقاف هذا النوع من الأنظمة. تكشف طبيعة "ميثوز" عن بنية لامركزية أقرب في خصائصها إلى Bitcoin، حيث تتوزع مراكز التشغيل ولا يوجد مركز واحد يمكن تعطيله.

في المقابل، تمتلك الحكومات أدوات للتأثير في انتشاره. يمكن للجهات التنظيمية منع البنوك والمؤسسات المالية من التعامل معه، وفرض قيود على شركات التكنولوجيا المالية ومنصات التداول، وبالتالي التحكم في نقاط الدخول والخروج بين النظامين، كما يمكن تجريم استخدامه في حالات مثل التحايل على العقوبات أو غسل الأموال، ما يرفع كلفة استخدامه بالنسبة للشركات الكبرى.

إلى جانب ذلك، يمكن الضغط على البنية المحيطة التي تتألف من المطورين، مزودي الخدمات التقنية، والواجهات التي تسهّل الاستخدام، وقد أثبتت هذه الأدوات فعاليتها نسبياً في حالات سابقة في عالم العملات الرقمية.

مع ذلك، تبقى حدود هذه الإجراءات واضحة. الطبيعة العابرة للحدود، وسهولة نسخ التكنولوجيا، ووجود جهات مستعدة للعمل خارج الإطار التنظيمي، كلها عوامل تجعل المنع الكامل غير ممكن. وما يمكن ترجيحه في النهاية هو نشوء نظام مزدوج يتألف من اقتصاد رسمي منظم، وآخر موازٍ يعمل في مساحات أقل خضوعاً للرقابة.

 نظام بلا مظلة

في ما يخص الاستقرار المالي، يمتلك النظام التقليدي أدوات فاعلة ومجربة لاحتواء الأزمات وأهمها بنوك مركزية، مقرض أخير، وآليات تدخل.

في المقابل، يعمل "ميثوز" في فضاء لا يوفر هذه الضمانات. وتذكر تجربة انهيار العملة المستقرة TerraUSD العام 2022 بعد فقدان ارتباطها بالدولار بسرعة انتقال الصدمات عند انهيار الثقة. وكانت TerraUSD من العملات المستقرة غير المدعومة باحتياطات نقدية كافية بل كانت تعمل وفق خوارزميات معقدة، وأدى انهيارها إلى تبخر مبالغ كبيرة خلال أيام. ومن هنا، فإن اي توسع في نظام بحجم "ميثوز" قد ينقل هذا النوع من الاضطرابات إلى نطاق أوسع، وبالتالي فإن غياب الشفافية حول الأصول الداعمة، وتعدد الجهات المشاركة، وتعقيد البنية التقنية، كلها عوامل تزيد من احتمال حدوث اضطرابات مفاجئة يصعب احتواؤها.

تركز التحذيرات الصادرة عن شركات الأمن السيبراني، مثل Chainalysis، على قابلية هذا النوع من الأنظمة للاستخدام في أنشطة يصعب تعقبها، من تمويل الهجمات السيبرانية إلى شبكات الابتزاز الرقمي، لكن الأهم هو البعد السيادي. عندما يصبح بالإمكان نقل القيمة بعيداً عن أي إشراف، يتحول المال إلى سلاح وأداة استراتيجية في الصراع بين الدول.

 ماذا يعني ذلك لبلدان الخليج؟

في الخليج، تخيل صفقة نفط تُسوى خارج النظام التقليدي، أو شحنة غاز تُدفع قيمتها عبر شبكة لا تمر بأي بنك مراسل. هذا السيناريو، الذي كان يبدو نظرياً قبل سنوات،  يُصبح اليوم أقرب إلى الاحتمال منه إلى الفرضية في حال تبني واستخدام انظمة مثل "ميثوس".

في المقابل، تقوم اقتصادات الخليج على ارتباط وثيق بالدولار، وانخراط عميق في الأسواق العالمية، ونظام مالي يعتمد على الاستقرار والثقة، ولا شك أن دخول قنوات موازية إلى هذا المشهد سيخلق تعقيدات جديدة متعددة الابعاد، حيث تتحرك السيولة في مسارات غير مرئية بالكامل، وتصبح أدوات السياسة النقدية أقل قدرة على قراءة الصورة كاملة.

وهذا ما يضع بلدان الخليج أمام معادلة مفتوحة تتمحور حول كيفية استفادتها من أدوات جديدة يمكن أن تمنحها مرونة أكبر في التجارة والتمويل، مع الحفاظ على مستوى السيطرة والاستقرار الذي يشكل أساس قوتها الاقتصادية.

 الاحتواء والتبني

إذا نظرنا إلى كيفية تعامل المصارف المركزية مع موجات سابقة من الابتكار المالي، يمكن تخيل المشهد المقبل، ستظهر حركة محسوبة تجمع بين الاحتواء والتطوير.

في البداية، تتجه الأنظمة التنظيمية إلى إبقاء هذه البنى خارج القطاع المصرفي التقليدي، مع تعزيز أدوات المتابعة والرصد. في الوقت نفسه، يجري العمل على تطوير بدائل رسمية، سواء عبر عملات رقمية سيادية أو عبر تحديث أنظمة المدفوعات القائمة لتصبح أسرع وأكثر مرونة، لكن هل تنطبق المقاربات السابقة على حالة الذكاء الاصطناعي الذي بدأت تنذر بإحداث تغييرات جذرية لم نشهدها من قبل في مختلف اوجه الحياة والقطاعات الاقتصادية.

في الخليج، حيث تتقدم مشاريع التحول الرقمي بوتيرة متسارعة، قد يتحول هذا التحدي إلى ساحة تنافس جديدة حول من ينجح في بناء نظام يجمع بين الابتكار والانضباط، قد يحدد موقع المنطقة في المرحلة المقبلة من النظام المالي العالمي.

نظام عالمي يتشظى بهدوء

عند النظر إلى الصورة الأوسع، يبدو "ميثوز" كجزء من قصة أكبر تتشكل تدريجياً يتجه من خلالها العالم نحو تعددية في البنى المالية، حيث تتقاطع أنظمة مختلفة، بعضها تقوده الدول وبعضها ينشأ خارجها.

يأتي هذا التحول عبر تراكم تغييرات صغيرة تتجمع مع الوقت. ومع كل مسار جديد للتسويات، ومع كل أداة مالية تعمل خارج الإطار التقليدي، تتراجع فكرة المركز الواحد الذي يضبط حركة المال عالمياً.  كيف ستتأقلم الدول والمؤسسات مع عالم تتحرك فيه الأموال عبر أكثر من نظام؟ عالم تتوزع فيه القوة المالية بدل أن تتركز في مكان واحد.