الاقتصاد العربي بين التعافي الحذر واتساع الفجوة المالية
الاقتصاد العربي بين التعافي الحذر واتساع الفجوة المالية
تقرير الإسكوا يرسم خريطة نمو متفاوت… والخليج في موقع خاص
-
أولاً- الاقتصاد والأعمال
يقدم تقرير"آفاق الاقتصاد الكلي في المنطقة العربية" الصادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) قراءة مُركّبة لمسار الاقتصاد العربي في السنوات المقبلة، قراءة تجمع بين مؤشرات تحسن تدريجي وبين تحذير ضمني من اتساع التباينات داخل المنطقة نفسها. فالأرقام العامة توحي بمرحلة تعافٍ، لكن التفاصيل تكشف واقعاً أكثر تعقيداً، حيث تتحرك الاقتصادات العربية بسرعات مختلفة إلى حدّ يقترب من تشكّل مسارات اقتصادية منفصلة.
اقتصادات بسرعات نمو متفاوتة
يتوقع التقرير أن يرتفع النمو في المنطقة من 2.9 في المئة في العام 2025 إلى 3.7 في المئة في 2026 قبل أن يستقر عند 3.3 في المئة في 2027، بالتوازي مع تراجع التضخم من 8.2 في المئة إلى نحو 5.4 في المئة خلال الفترة نفسها.
تُبين هذه الأرقام تحسناً مقارنة بالسنوات السابقة التي تأثرت بالصدمات العالمية وارتفاع أسعار الفائدة واضطرابات التجارة، لكنها لا تعبّر عن واقع متجانس بين الدول العربية، بل تخفي فجوة آخذة في الاتساع بين مجموعات اقتصادية مختلفة داخل المنطقة.
ويظهر الاختلاف بوضوح عند النظر إلى توزيع النمو والتضخم بين الدول المرتفعة الدخل والدول المتوسطة والمنخفضة الدخل. فاقتصادات الخليج، التي تندرج ضمن المجموعة الأولى، تسجل معدلات نمو أعلى وتضخماً منخفضاً واستقراراً مالياً أكبر، بينما تواجه الاقتصادات الأخرى ضغوطاً مالية وتضخمية أكثر حدة، ما يحد من قدرتها على الاستثمار في النمو المستقبلي.
الفجوة المالية تقيد النمو
لا تقتصر الفجوة هنا على الأرقام، بل تمتد إلى طبيعة الاستقرار الاقتصادي نفسه. التضخم المنخفض في الخليج يوفر بيئة مؤاتية للاستثمار والتخطيط طويل الأجل، بينما يؤدي التضخم المرتفع في بعض الاقتصادات الأخرى إلى تآكل القوة الشرائية وارتفاع كلفة التمويل وزيادة الضغوط الاجتماعية، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرة الحكومات على تنفيذ سياسات تنموية فعالة.
وتتضح صورة التباين بشكل أكبر عند تحليل أوضاع المالية العامة. فالتقرير يرصد تحسناً عاماً في المؤشرات الإقليمية، مع تراجع نسبي في مستويات الدين كنسبة من الناتج، إلا أن هذا التحسن يتركز أساساً في الدول المرتفعة الدخل، في حين تواجه الدول المتوسطة الدخل عجزاً مالياً مرتفعاً ومستويات دين متزايدة.
القدرة على التمويل والاستثمار تحدد مسارات المستقبل
هذا التباين المالي يحمل دلالات استراتيجية بعيدة المدى، لأن القدرة على تمويل التحول الاقتصادي أصبحت العامل الفاصل بين الاقتصادات. الدول التي تتمتع بفوائض مالية أو مستويات دين منخفضة تستطيع الاستثمار في البنية التحتية والتحول الرقمي والطاقة المتجددة وتنمية رأس المال البشري، بينما تجد الدول المثقلة بالديون نفسها مضطرة لتوجيه مواردها المحدودة نحو إدارة الأزمات قصيرة الأجل بدلاً من الاستثمار في المستقبل.
تحولات عالمية تضغط على المنطقة
ويأتي هذا التفاوت الداخلي في وقت تواجه فيه المنطقة تحولات عالمية عميقة، يشير التقرير إلى أبرزها في التوترات الجيوسياسية واضطرابات التجارة الدولية، والتحول في هيكل الطاقة العالمي، والتقدم السريع في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهي عوامل ستؤثر بشكل مباشر في الاقتصادات العربية خلال العقد المقبل.
الخليج في موقع خاص
في هذا السياق، يبرز الخليج كحالة اقتصادية خاصة داخل المنطقة، ليس فقط بسبب الموارد النفطية، بل نتيجة تراكم استقرار مالي ونقدي سمح بتنفيذ استراتيجيات تنويع اقتصادي واسعة النطاق، تشمل الاستثمار في الصناعة والسياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجيستية. هذا التراكم يمنح هذه الاقتصادات قدرة أكبر على امتصاص الصدمات العالمية مقارنة ببقية المنطقة، ويضعها في موقع متقدم للاستفادة من التحولات الاقتصادية العالمية.
ومن الزوايا اللافتة في التقرير أيضاً إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في التوقع الاقتصادي، من خلال ما يعرف بالتوقع الآني للناتج المحلي، وهو ما يعكس تحولاً أوسع في دور البيانات كأداة استراتيجية في صنع السياسات الاقتصادية.
مسارات اقتصادية متفاوتة
ما تكشفه قراءة التقرير بعمق أن المنطقة العربية لا تواجه تحدياً اقتصادياً واحداً، بل مجموعة تحديات مختلفة تتباين حدتها من دولة إلى أخرى. بعض الاقتصادات تتجه نحو مرحلة نمو مدعومة بالاستثمار والتحول الاقتصادي، بينما تبقى اقتصادات أخرى تحت ضغط الاستقرار المالي والديون والتضخم.
وهذا ما يفسر استخدام مفهوم التفاوت في المسارات في توصيف المرحلة المقبلة. المقصود هنا ليس تفاوتاً سياسياً أو جغرافياً، بل تباعداً متزايداً في القدرة الاقتصادية والمالية بين الدول العربية قد يصبح أكثر وضوحاً خلال السنوات القادمة إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
الخلاصة التي يتركها تقرير الإسكوا هي أن مستقبل الاقتصاد العربي لن يكون واحداً. مسارات النمو ستختلف، والقدرة على التكيّف مع التحولات العالمية ستحدد موقع كل دولة في الخريطة الاقتصادية الجديدة للمنطقة.
الأكثر قراءة
-
الإمارات تبني نموذجاً جديداً لإدارة الدولة والاقتصاد بالذكاء الاصطناعي
-
مظلة الدولار للإمارات: أداة نقدية أم ترقية في طبيعة التحالف؟
-
"سالك" تُدخِل السعودية إلى قلب تجارة الغذاء العالمية عبر تملك "أولام"
-
"إي آند": نتائج الربع تُظهر اتساع قاعدة النمو وتماسك الربحية
-
تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية: من فجوة ائتمانية إلى منظومة تمويل متكاملة

