يصعب فهم مسار التحول السعودي خلال العقد الأخير من دون التوقف عند مجموعة محدودة من الأسماء التي رافقت رؤية 2030 تحت قيادة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان منذ لحظتها التأسيسية الأولى، وأسهمت في تحويلها من إطار طموح إلى منظومة عمل متكاملة. محمد التويجري ينتمي إلى هذه الدائرة الضيقة، ليس بوصفه مسؤولاً شغل مناصب متعاقبة، بل بوصفه أحد مهندسي البنية التنفيذية التي قامت عليها الرؤية واستمرت عبر مراحلها المختلفة.
لكن ما يميز هذا الحضور لا يتعلق بالمواقع بقدر ما يتعلق بطبيعة الدور الذي أُدي داخلها، وهو ما يقود إلى فهم أعمق لشخصية التويجري نفسها.
شخصية تعمل حيث تُبنى المنظومات
ينتمي محمد التويجري إلى فئة نادرة من الشخصيات التي تعمل بصمت في مفاصل القرار، وتترك أثرها عبر المنظومات التي تساهم بتصميمها وإدارتها، لا عبر الخطاب أو الظهور العام. هذا النمط من العمل يعكس طبيعة شخصيته ودوره داخل مشروع وطني بالغ التعقيد مثل رؤية السعودية 2030، حيث يصبح البناء المؤسسي هو معيار التأثير الحقيقي.
هذا الحضور الهادئ لم يكن وليد مرحلة ناضجة من الرؤية، بل تَشكّل منذ بداياتها الأولى، في مرحلة كانت تتطلب قدرة خاصة على العمل وسط قدر عالٍ من عدم اليقين.
القدرة على العمل حين لا تكون الإجابات جاهزة
منذ انضمامه المبكر إلى فريق ولي العهد، تَشكّل مسار التويجري كجزء من النواة التي رافقت الرؤية منذ لحظة التأسيس. هذه البداية المبكرة منحته فهماً عميقاً لفلسفة التحول، وأتاحت له العمل في مرحلة كانت فيها الأسئلة أكبر من الإجابات، وكانت القرارات تُصاغ تحت ضغط الزمن وحجم التحديات والطموحات.
في تلك المرحلة، ارتبط حضوره بمواقع تتطلب فهماً عميقاً لكيفية إدارة التحول داخل جهاز حكومي واسع، متعدد المستويات، وموروثه الإداري ممتد لعقود. لم يكن التحدي في تحديد الاتجاه بقدر ما كان في بناء القدرة المؤسسية على التحرك في هذا الاتجاه من دون فقدان الانضباط أو الاتساق. هذا السياق يفسر طبيعة الأدوار التي أُنيطت به لاحقاً، والتي تمحورت دائماً حول التنسيق، والحوكمة، وربط الرؤية بالتنفيذ.
شخصية تتقاطع عندها الحوكمة والتنفيذ
هذا التداخل بين الرؤية والقدرة المؤسسية بلغ ذروته مع تولي محمد التويجري رئاسة برنامج التحول الوطني، وهي إحدى أكثر المحطات حساسية في مسيرته. فالبرنامج يُعَد العمود الفقري الذي أُعيد من خلاله تنظيم أداء الجهات الحكومية، وتحديد مستهدفاتها، وربط التمويل والبرامج بمؤشرات الأداء، وفرض منطق المساءلة المؤسسية.
رئاسة هذا البرنامج وضعت التويجري في موقع يتجاوز الإدارة التقليدية، إلى دور أقرب إلى مهندس تشغيل لمنظومة التحول، حيث لا تقتصر المسؤولية على المتابعة، بل تمتد إلى ضمان انسجام مكونات الدولة المختلفة مع منطق النتائج.
ومن هذه التجربة تحديداً، تبلور دوره اللاحق في وزارة الاقتصاد والتخطيط.
شخصية تتجاوز توصيف المنصب
في وزارة الاقتصاد والتخطيط، انتقل التويجري من إدارة التحول المؤسسي إلى إعادة تعريف وظيفة التخطيط الاقتصادي نفسها. لم يعد التخطيط مساراً منفصلاً عن التنفيذ، بل أصبح أداة لقيادة التحول، وضبط الأولويات، ومواءمة السياسات، وربط الأهداف العامة بالقدرات الفعلية للاقتصاد.
البعد الدولي في مسيرته، والذي تجسد في ترشيح المملكة له لمنصب أمين عام منظمة التجارة العالمية، جاء في هذا السياق نفسه. فالترشيح لم يكن محطة منفصلة، بل عكس إدراكاً بأن التحول السعودي يرتبط عضوياً بموقع المملكة في الاقتصاد العالمي، وأن من يقوده داخلياً يجب أن يمتلك فهماً دقيقاً لتشابكاته الخارجية، سواء في التجارة، أو الاستثمار، أو سلاسل القيمة.
هذا البعد أضاف إلى شخصية التويجري قدرة على العمل عند تقاطع المحلي والدولي، وهو ما سيظهر لاحقاً بوضوح في أدواره ذات الطابع التنموي والتمويلي.
دور يتسع مع تقدم الرؤية
اليوم، في موقعه كنائب رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الوطني، تتجسد خلاصة هذا المسار الطويل. فالصندوق، الذي يضم تحت مظلته 12 صندوقاً تنموياً، يمثل أداة رئيسية لإدارة الإنفاق الرأسمالي في المرحلة المتقدمة من رؤية 2030. هنا، اصبح التحدي بتعظيم أثر المشاريع القائمة، وضبط كفاءة استخدام رأس المال العام، وتوجيه التمويل نحو القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة مستدامة.
الدور الذي يلعبه التويجري في هذه المرحلة يتجاوز الإشراف إلى إعادة ضبط فلسفة التمويل التنموي نفسها، بما يشمل ضمان التكامل بين الصناديق، وتفادي الازدواجية، وتحفيز مشاركة القطاع الخاص، وبناء سلاسل قيمة محلية قادرة على الاستمرار بعد انحسار الدعم المباشر وإعادة تدوير اصول الصناديق وتعظيم اثرها في الاقتصاد. وهو ما يعكس انتقال الرؤية من مرحلة التوسع السريع إلى مرحلة النضج المؤسسي، والاستعداد لما بعد 2030.
أسلوب التويجري القيادي، في هذا السياق، يقوم على العمل داخل المنظومة لا فوقها. فهو يُعرَف بقدرته على تصميم الأطر التي تعمل من خلالها المؤسسات، وبناء الآليات التي تستمر بعد الأشخاص. هذا النمط من العمل، القائم على الصبر والدقة وإدارة التوازنات، يفسر استمراريته في مواقع التأثير رغم تغير العناوين والظروف.
لا يمكن اختزال محمد التويجري في منصب أو مرحلة. أهميته تكمن في كونه أحد القلائل الذين رافقوا رؤية 2030 منذ لحظة بلورتها، وأسهموا في بناء أدواتها، ويشاركون اليوم في تعظيم نتائجها. ومع دخول التحول السعودي مراحل أكثر دقة، حيث تصبح كفاءة التنفيذ وتعظيم العائد شرطاً أساسياً للاستمرار، يبدو أن هذا النوع من الشخصيات الهادئة والعميقة سيظل عنصراً حاسماً في رسم ملامح المرحلة المقبلة.