سوريا تتحرك لاستعادة ارتباطها بالنظام المصرفي العالمي عبر بوابتَي المراسلة والامتثال
سوريا تتحرك لاستعادة ارتباطها بالنظام المصرفي العالمي عبر بوابتَي المراسلة والامتثال
-
الاقتصاد والأعمال
تسعى سوريا إلى استعادة ارتباطها بالنظام المصرفي العالمي عبر مسارين متكاملين، يستهدف الأول إعادة بناء العلاقات مع المصارف الدولية وتفعيل قنوات المدفوعات وتمويل التجارة، فيما يركز الثاني على تطوير منظومة الرقابة والامتثال وتعزيز ثقة المؤسسات المالية الأجنبية. وتندرج هذه الجهود ضمن مساعي الانفتاح الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات، التي تتطلب بنية مصرفية قادرة على التعامل مع الأسواق الخارجية وفق المعايير الدولية.
وقد تجسّد هذا التوجه خلال زيارة حاكم مصرف سوريا المركزي ورئيس هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب محمد صفوت رسلان إلى باريس، حيث عقد سلسلة لقاءات مع مؤسسات مصرفية أوروبية ودولية، وشارك في الاجتماع العام لمجموعة العمل المالي FATF، بما يعكس الترابط بين استعادة العلاقات المصرفية والإصلاحات المؤسسية والرقابية الجارية في سوريا.
باريس بوابة لاستعادة العلاقات المصرفية
عقد رسلان لقاء عمل استضافه بنك الخليجي فرنسا التابع لبنك الريان القطري، بمشاركة ممثلين عن البنك المركزي الفرنسي وبنك أبوظبي الأول وفرنسبنك، تناول توسيع شبكة المصارف المراسلة وتسهيل المدفوعات والتحويلات الدولية وتمويل التجارة. كما شملت الزيارة لقاءات مع بنك ناتيكسيس ووحدة التحريات المالية الفرنسية Tracfin ومجلس الأعمال الفرنسي السوري.

وجمعت هذه اللقاءات بين مصارف تجارية تمتلك شبكات دولية، ومؤسسات نقدية ورقابية تؤدي دوراً في تعزيز الثقة والتعاون المالي. وتتيح هذه الاتصالات فرصة لمعالجة العوائق التي تواجه المصارف السورية في الوصول إلى الخدمات المصرفية الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بتسوية المدفوعات والتعاملات التجارية.
وتستكمل التحركات الجديدة جهوداً سابقة لإعادة تفعيل حساب مصرف سوريا المركزي لدى بنك فرنسا في يوليو/تموز الماضي، وإطلاق مشروع تعاون فني فرنسي في أكتوبر/تشرين الأول لتطوير الرقابة المصرفية والسياسة النقدية وإدارة السيولة. ويشير تسلسل هذه الخطوات إلى انتقال التعاون من إعادة فتح القنوات المؤسسية إلى البحث في توسيع التعاملات المصرفية التجارية.
الامتثال شرط لاستعادة الثقة
يترافق الانفتاح المصرفي مع برنامج لتطوير منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وأعلن رسلان بدء عملية التقييم الوطني للمخاطر بالتعاون مع البنك الدولي، والعمل مع صندوق النقد الدولي على مراجعة التشريعات ذات الصلة لضمان اتساقها مع المعايير الدولية.

وتشمل الإجراءات تطوير متطلبات التعرف إلى العملاء والعناية الواجبة، وتحسين البيانات المتعلقة بهوياتهم وأنشطتهم ومصادر أموالهم، وتعزيز فحص المعاملات والأسماء باستخدام الأنظمة التقنية. كما يجري توسيع الحوار مع المصارف وشركات الصرافة ومقدمي خدمات الدفع لمعالجة التحديات التطبيقية.
وتنطوي هذه الإجراءات على بعد اقتصادي مباشر، لأن المصارف الدولية لا تكتفي بتقييم البيئة القانونية عند اتخاذ قرارات التعامل مع الأسواق الخارجية،إنما تنظر أيضاً إلى كفاءة الرقابة وجودة المعلومات والقدرة على رصد العمليات المشبوهة. ومن شأن التحسن في هذه المجالات أن يساعد على تخفيض المخاطر المرتبطة بالتعامل مع المصارف السورية، ويدعم فرص استعادة علاقات المراسلة بصورة تدريجية.
المدفوعات وتمويل التجارة في صدارة المكاسب
يمثل استئناف الخدمات المصرفية الدولية أحد المتطلبات الأساسية لتنشيط التجارة والاستثمار في سوريا. فغياب قنوات المراسلة الفعالة يزيد تعقيد تسوية المدفوعات ويحد من قدرة الشركات على استخدام الاعتمادات المستندية والخدمات المصرفية المرتبطة بالاستيراد والتصدير.
ومن شأن توسيع العلاقات المصرفية أن يسهل حركة الأموال المرتبطة بالتجارة والمشاريع الاستثمارية، ويخفض الاعتماد على قنوات التحويل غير المباشرة، مع إمكانية انعكاس ذلك على الكلفة والسرعة وشفافية المعاملات.
وفي هذا الإطار، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس/آب 2026 القرار رقم 1124 باعتماد نظام الدفع والتحويل الإلكتروني، الذي ينظم ترخيص مقدمي خدمات الدفع والنقود الإلكترونية ومشغلي أنظمة الدفع. ويدمج النظام متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ضمن قواعد العمل، بما يعزز الترابط بين تحديث الخدمات المالية ورفع كفاءة الامتثال.
العودة إلى مجموعة العمل المالي
شكلت مشاركة سوريا في الاجتماع العام لمجموعة العمل المالي في باريس، بعد غياب تجاوز 15 عاماً، تطوراً في مسار انخراطها بالمؤسسات المعنية بالنزاهة المالية الدولية.
وأوضح رسلان أن سوريا تستعد للتقييم المتبادل المرتقب، مستندة إلى عملية التقييم الوطني للمخاطر وتطوير التشريعات والإجراءات الرقابية. كما أشار إلى زيارة وفد من مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى دمشق في يوليو/تموز الماضي، واستمرار تقديم تقارير طوعية ضمن مراجعة التعاون الدولي.
وتؤسس هذه التحركات لمسار واعد نحو استعادة الحضور السوري في النظام المصرفي العالمي، مستفيدة من التقدم في العلاقات المؤسسية وتطوير البيئة التنظيمية والرقابية. ومن شأن البناء على هذه الخطوات أن يسرّع استئناف التعاملات المصرفية الدولية، ويوسّع خيارات تمويل التجارة والاستثمار، ويدعم اندماج الاقتصاد السوري في الأسواق الإقليمية والعالمية.

