الشرع يرسم ملامح شراكة سورية عراقية تقوم على سيادة الدولة والتكامل الاقتصادي

  • 2026-10-28
  • 15:55

الشرع يرسم ملامح شراكة سورية عراقية تقوم على سيادة الدولة والتكامل الاقتصادي

  • الاقتصاد والأعمال

قدم الرئيس السوري أحمد الشرع، في حديثه المطول إلى قناة دجلة العراقية، رؤية شاملة لمستقبل العلاقات بين سوريا والعراق، انطلقت من مراجعة التجارب السياسية والأمنية التي مر بها البلدان، وصولاً إلى الدعوة لبناء شراكة استراتيجية تستند إلى استقلال القرار الوطني وسيادة الدولة والمصالح الاقتصادية المشتركة. وحمل الحديث رسائل متعددة إلى الحكومة العراقية والقوى السياسية والمجتمع العراقي، عكست رغبة دمشق في تأسيس علاقات مستقرة تحميها المصالح المشتركة من خلافات الماضي وتقلبات السياسة.

وتميزت هذه الرؤية بالربط بين بناء الدولة وتعزيز التعاون الاقتصادي، انطلاقاً من أن استقرار البلدين وقدرتهما على اتخاذ قرارات مستقلة يوفران قاعدة لتطوير التجارة والاستثمار والطاقة والنقل. وقدم الشرع في هذا السياق معطيات عن نمو الحركة التجارية ومشاريع الربط النفطي والاستثمارات العراقية في سوريا، إلى جانب فرص واسعة للتعاون الزراعي والمائي.

سيادة الدولة واستقلال القرار

احتلت مسألة سيادة الدولة موقعاً مركزياً في حديث الشرع، الذي رأى أن سوريا والعراق يمتلكان فرصة تاريخية لبناء دولتين قويتين تتمتعان باستقلال القرار، بعد عقود من الحروب والصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية.

وحملت مواقفه بشأن حصر السلاح بيد الدولة رسالة سياسية واضحة إلى العراق، حيث أكد دعمه توجه رئيس الوزراء علي فالح الزيدي نحو تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية ومكافحة الفساد. واعتبر أن تعدد القوى المسلحة يضعف الدولة ويجعل قرار الحرب والسلم موزعاً بين جهات مختلفة، فيما يشكل احتكار المؤسسات الشرعية لهذا القرار شرطاً أساسياً لممارسة السيادة.

وتعكس هذه الرسالة تصور الشرع للعلاقة بين قوة الدولة واستقرارها الداخلي وقدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية. كما أنها تتصل بالتجربة السورية نفسها، حيث تحدث عن مساعي دمج الفصائل المسلحة ضمن المؤسسات الرسمية وتوحيد القرار العسكري.

وتبرز الدلالة السياسية لهذا الموقف في أن الشرع تناول قضية شديدة الحساسية في الواقع العراقي، مقدماً حصر السلاح بيد الدولة بوصفه مصلحة وطنية مشتركة، مع إعلانه دعم البرنامج الذي تتبناه الحكومة العراقية في هذا المجال.

من المخاوف الأمنية إلى بناء الثقة

خصص الشرع جانباً من حديثه لمعالجة المخاوف التي رافقت التحولات السورية، خصوصاً ما يتعلق بأمن الحدود والتنظيمات المتطرفة واحتمال انتقال التهديدات بين البلدين.

وأكد أن التنسيق الأمني بين دمشق وبغداد يجري على مستوى عالٍ، وأن الحدود المشتركة تشهد استقراراً، مع استمرار التواصل لمعالجة المخاوف المتعلقة بالتهريب ونشاط الجماعات المسلحة.

وتكتسب هذه المواقف دلالتها في ضوء التاريخ المعقد للعلاقات بين البلدين، وما شهدته الحدود المشتركة من نشاط جماعات مسلحة وانتقال للمقاتلين خلال سنوات سابقة.

وأشاد الشرع بموقف الحكومة العراقية السابقة برئاسة محمد شياع السوداني تجاه سوريا بعد سقوط النظام السابق، مؤكداً استمرار التواصل الإيجابي مع الحكومة الحالية.

وكان لافتاً حرصه على فصل العلاقات بين الدولتين عن الخلافات بين القوى السياسية، والتأكيد على إمكان التقدم في التعاون الاقتصادي والاجتماعي حتى قبل التوصل إلى تفاهمات حول جميع القضايا الخلافية. ويحمل هذا التوجه رسالة مفادها أن بناء المصالح المشتركة يمكن أن يساهم تدريجياً في تعزيز الثقة وتسهيل معالجة الملفات السياسية والأمنية.

وشمل الحديث تجربة الشرع الشخصية في العراق منذ عام 2003، حيث قدم روايته عن ظروف دخوله البلاد واعتقاله ومواقفه خلال تلك السنوات. ويمكن قراءة تناوله هذه التجربة في إطار مخاطبة الرأي العام العراقي مباشرة، والسعي إلى معالجة التحفظات المرتبطة بماضيه من موقعه الحالي رئيساً للدولة السورية.

الاقتصاد قاعدة لشراكة طويلة الأجل

يشكل الجانب الاقتصادي أحد أبرز عناصر الرؤية التي عرضها الشرع، إذ دعا إلى بناء مصالح مشتركة تحافظ على استمراريتها مع تغير الحكومات والظروف السياسية.

ويستند هذا التوجه إلى تكامل جغرافي واقتصادي واضح. فالعراق يمتلك موارد نفطية ضخمة وسوقاً استهلاكية واسعة وقدرات استثمارية، بينما تتمتع سوريا بموقع يربط العراق بالبحر المتوسط والأسواق الأوروبية، إلى جانب إمكاناتها الصناعية والزراعية وشبكة النقل البري.

وتتيح هذه المقومات للبلدين تطوير شراكة تشمل التجارة والخدمات اللوجستية والطاقة والاستثمار والإنتاج الزراعي، بما يعزز النشاط الاقتصادي ويوفر فرص عمل وإيرادات جديدة.

وطرح الشرع تصوراً للربط بين ميناء الفاو العراقي وميناء طرطوس السوري، إلى جانب تطوير الطرق البرية التي تصل السعودية بسوريا مروراً بالعراق، والممرات التي تربط تركيا والعراق وسوريا.

صورة ميناء الفاو العراقي

وتتعزز فرص هذا الربط مع تقدم تنفيذ ميناء الفاو الكبير، الذي اكتملت أرصفته الخمسة وقناته الملاحية، فيما بلغت نسبة إنجاز ساحة الحاويات أكثر من 98 في المئة وفق بيانات عراقية معلنة خلال عام 2026.

 وفي المقابل، يشهد مرفأ طرطوس نشاطاً تجارياً متزايداً، إذ استقبل 551 باخرة وناول نحو 5 ملايين طن من البضائع منذ مطلع عام 2026 وحتى أوائل أغسطس/آب، منها 3.9 ملايين طن من الواردات و1.1 مليون طن من الصادرات.

وتوفر هذه التطورات قاعدة لتطوير ممر تجاري يربط الخليج بالمتوسط عبر الأراضي العراقية والسورية، مع الحاجة إلى استكمال شبكات النقل والتسهيلات الحدودية والاتفاقات التشغيلية اللازمة.

وقدم الشرع مؤشرات على تنامي الحركة التجارية، كاشفاً عن عبور أكثر من 100 ألف شاحنة ترانزيت خلال الأشهر الستة أو السبعة الماضية، إضافة إلى أكثر من 40 ألف شاحنة للاستيراد والتصدير بين البلدين، وفق الأرقام التي أوردها. وتعكس هذه الحركة فرصاً لتوسيع أنشطة الشحن والتخزين والنقل البري والخدمات المساندة.

النفط يعزز المصالح الاستراتيجية

يحظى التعاون النفطي بموقع خاص في العلاقات الاقتصادية المحتملة بين البلدين، نظراً إلى حاجة العراق لتنويع منافذ تصدير نفطه وتقليل الاعتماد على مسارات محدودة.

وكشف الشرع أنه شجع شركات مهتمة بالاستثمار في سوريا على التوجه إلى العراق لبحث مشاريع خطوط النفط نحو بانياس، حتى قبل أزمة مضيق هرمز، انطلاقاً من إدراكه للحاجة المستقبلية إلى منافذ تصدير إضافية.

وشهد هذا التوجه خطوة عملية في يوليو/تموز من عام 2026، عندما وقّعت سوريا مذكرتي تفاهم لإحياء خط النفط بين العراق وميناء بانياس. شملت الأولى التعاون بين الجانبين السوري والعراقي، والثانية التعاون مع ائتلاف دولي يضم شيفرون الأميركية و UCC Holding و TI Capital، لإعداد الدراسات الفنية والمالية ووضع الأسس التنفيذية للمشروع الذي يستهدف طاقة نقل تصل إلى مليوني برميل يومياً.

وتضاعفت الجدوى الاستراتيجية لهذا المشروع بعد حرب إيران والاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة في مضيق هرمز، إذ أبرزت التطورات حاجة الدول النفطية إلى امتلاك بدائل أكثر تنوعاً وقدرة على الاستجابة للأزمات.

وبالنسبة إلى العراق، يوفر المسار السوري منفذاً إضافياً إلى المتوسط، إلى جانب خيارات التصدير عبر الخليج وتركيا والمشاريع الأخرى المطروحة. أما سوريا، فيمكن أن تستفيد من رسوم النقل والتخزين وخدمات الموانئ والتكرير والاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية النفطية.

واللافت أن الشرع تحدث عن منظومة نفطية متكاملة تشمل خطوط الأنابيب والمصافي والمنشآت المساندة، بما يشير إلى تصور أوسع من مجرد إعادة تشغيل خط تاريخي لنقل النفط. لكن الانتقال إلى التنفيذ يبقى مرتبطاً باستكمال الدراسات الفنية والمالية والاتفاقات الاستثمارية والتشغيلية.

الاستثمار والزراعة والمياه

تمثل الاستثمارات العراقية في سوريا مجالاً آخر لتوسيع التعاون، خصوصاً مع احتياجات الاقتصاد السوري لإعادة تأهيل المنشآت الإنتاجية وتطوير القطاعات الصناعية.

وأشار الشرع إلى أن قطاع الإسمنت كان من أوائل القطاعات التي شهدت استثمارات عراقية بعد التحولات السياسية في سوريا. ويعكس الاهتمام بهذا القطاع فرص الاستفادة من الطلب المتزايد على مواد البناء، مع إمكان تطوير مشاريع صناعية مشتركة تخدم السوقين.

وفي الزراعة والمياه، طرح الشرع رؤية تقوم على الاستفادة من الموارد المشتركة لتعزيز الأمن الغذائي الإقليمي. وقدّر المساحات الزراعية في البلدين بما بين 80 و 100 مليون دونم، معتبراً أنها يمكن أن تسهم في تلبية الاحتياجات الغذائية لما بين 100 و 130 مليون نسمة.

وأشار إلى دراسات تفيد بإمكان زيادة الإنتاج الزراعي بنحو 70 في المئة في بعض المناطق باستخدام التقنيات الحديثة، والاستفادة من تجارب دول مثل هولندا والدنمارك في رفع الإنتاجية وترشيد استخدام المياه.

ويفتح هذا الطرح مجالاً لتعاون يشمل إدارة الموارد المائية وتطوير الري والاستثمار الزراعي والصناعات الغذائية، خصوصاً أن البلدين يواجهان تحديات متزايدة في تأمين المياه وتحسين إنتاجية الأراضي الزراعية.

علاقة تحميها المصالح المشتركة

تتمثل الرسالة الأساسية لحديث الشرع في الدعوة إلى بناء علاقة سورية عراقية تستند إلى مؤسسات قوية وقرار سيادي مستقل ومصالح اقتصادية طويلة الأجل.

وقد بدأت بعض عناصر التعاون تتخذ طابعاً عملياً، سواء عبر تنامي حركة التجارة والنقل أو مذكرات التفاهم النفطية والاستثمارات العراقية. ويتيح توسيع هذه المسارات للبلدين الاستفادة بصورة أكبر من مواردهما وموقعهما الجغرافي، مع تعزيز دورهما في شبكات التجارة والطاقة الإقليمية.

غير أن ترجمة هذه الرؤية تعتمد على قدرة الحكومتين على تحويل التفاهمات والمشاريع المطروحة إلى برامج تنفيذية واستثمارات فعلية، وبناء تعاون مؤسسي مستمر يحافظ على المصالح المشتركة ويعزز استقلال القرار واستقرار العلاقات بين البلدين.