سوريا والعراق: المصالح المشتركة تحصّن العلاقة في مواجهة الاضطرابات الإقليمية

  • 2026-10-29
  • 11:34

سوريا والعراق: المصالح المشتركة تحصّن العلاقة في مواجهة الاضطرابات الإقليمية

  • كتب فيصل أبوزكي

يمكن قراءة زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق ولقاءه الرئيس أحمد الشرع، في 28 أكتوبر/تشرين الأول عام 2026، كمؤشر على توجه متزايد لدى البلدين نحو توثيق علاقاتهما السياسية والأمنية والاقتصادية في ظل اضطرابات إقليمية واسعة.

وجاءت الزيارة بعد مقابلة تلفزيونية مطولة للشرع مع قناة "دجلة" العراقية، حملت رسائل مباشرة إلى الحكومة والقوى السياسية والرأي العام العراقي بشأن سيادة الدولة واستقلال القرار السياسي والعسكري، وضرورة بناء علاقات تستند إلى مصالح مشتركة قادرة على الاستمرار رغم التغيرات السياسية.

ويشير تتابع المقابلة والزيارة، بمشاركة وفد وزاري عراقي رفيع المستوى، إلى رغبة متبادلة في تعزيز التقارب وتحصين العلاقة من تأثير الخلافات الداخلية والتدخلات الخارجية. ويكتسب هذا التوجه زخماً إضافياً بفعل حرب إيران وتداعياتها على أمن المنطقة وحركة التجارة والطاقة، وما تفرضه من توسيع خيارات البلدين وتعزيز قدرتهما على مواجهة المخاطر.

من الحذر السياسي إلى تقاطع المصالح

اتسم التعامل العراقي مع السلطة السورية الجديدة بالحذر، نتيجة اعتبارات أمنية وسياسية وإرث معقد من العلاقات، فضلاً عن تباين مواقف القوى العراقية من التطورات السورية. غير أن الاتصالات الرسمية والتنسيق الأمني المتنامي يشيران إلى إدراك متزايد بأن استقرار سوريا يخدم العراق، وأن استقرار العراق يمثل مصلحة أساسية لدمشق.

وقد اختار الشرع مخاطبة العراقيين مباشرة، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين ينبغي أن تستند إلى روابط اجتماعية ومصالح اقتصادية وأمنية ثابتة. وحملت المقابلة رسالة مفادها أن الخلافات السياسية يمكن معالجتها تدريجياً في ظل تعاون مؤسسي يحقق منافع متبادلة.

وتختلف دوافع الطرفين وإن كانت تتقاطع في أهدافها.  وتسعىبغداد إلى حماية استقرارها الداخلي وتعزيز خياراتها الاقتصادية والإقليمية، فيما تعمل دمشق على تثبيت أمنها وتوسيع علاقاتها واستعادة موقعها في شبكات التجارة والطاقة. وقد سرّعت التطورات الإقليمية هذا التقارب الذي بدأ قبل الحرب الحالية.

سيادة الدولة والأمن المشترك

برزت قضية سيادة الدولة في تصريحات الشرع، ولا سيما تأييده توجه الحكومة العراقية نحو حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، والتأكيد أن قرار السلم والحرب ينبغي أن يبقى بيد الدولة. وتحمل هذه الرسائل إشارات تتصل بتعدد مراكز النفوذ العسكري والسياسي في العراق، وتأثير الارتباطات الخارجية على القرار الوطني.

وتجد دمشق مصلحة مباشرة في قيام دولة عراقية قادرة على ضبط حدودها ومنع انتقال النزاعات إلى الأراضي السورية، فيما تحتاج بغداد إلى شريك سوري يمتلك السيطرة على أراضيه ويواصل التعاون في مكافحة تنظيم داعش والتهريب وضبط الحدود.

لكن تطوير التعاون الرسمي يظل مرتبطاً بتوازنات الساحة العراقية، حيث تتباين حسابات القوى السياسية والفصائل المسلحة.  لذلك، فإن التفاهم بين الحكومتين يشكل أساساً ضرورياً للتقارب، فيما يتطلب ترسيخه توسيع دائرة التوافق الداخلي حول المصالح المشتركة.

النفط والتجارة يعززان الشراكة

يمثل الاقتصاد إحدى الركائز الأكثر قدرة على ترسيخ العلاقات، وفي مقدمته مشروع تأهيل خط النفط العراقي إلى ميناء بانياس السوري. وقد تناولت المباحثات إمكانية التصدير عبره بطاقة تصل إلى مليوني برميل يومياً، في حال إنجاز المشروع ومتطلباته الفنية والاستثمارية.

ويوفر المشروع للعراق خياراً إضافياً لتصدير النفط نحو البحر المتوسط، بما يقلل اعتماده على المنافذ الجنوبية المعرضة للمخاطر المرتبطة بمضيق هرمز. أما سوريا، فتستفيد من استثمارات البنية التحتية ورسوم العبور والخدمات المرتبطة بالنقل والتكرير.

واللافت أن الشرع كشف أنه طرح تأهيل الخط قبل أزمة مضيق هرمز، وأن اتصالات جرت مع شركات إقليمية وأميركية بشأنه. وهذا يشير إلى أن التعاون النفطي كان مطروحاً ضمن رؤية اقتصادية سبقت الحرب، فيما زادت التطورات الأخيرة دوافع المضي فيه.

وتتسع فرص التكامل إلى ربط الموانئ السورية بميناء الفاو العراقي، وتطوير الطرق البرية التي تصل الخليج بتركيا والبحر المتوسط. كما كشف الشرع عن عبور أكثر من 100 ألف شاحنة ترانزيت، إلى جانب أكثر من 40 ألف شاحنة للاستيراد والتصدير بين البلدين، خلال الأشهر الستة أو السبعة السابقة للمقابلة، ما يعكس نشاطاً تجارياً متنامياً يمكن توسيعه بتطوير المعابر وتسهيل الإجراءات الجمركية.

وتوفر إعادة الإعمار السورية فرصاً للاستثمارات العراقية، خصوصاً في الإسمنت ومواد البناء والصناعة والخدمات اللوجستية. ويوفر التكامل بين الموارد المالية والسوق العراقية الكبيرة والاحتياجات الاستثمارية والإنتاجية السورية مجالاً لشراكات ذات منفعة متبادلة، يمكن أن تمتد إلى الزراعة والصناعات الغذائية.

تحصين العلاقة وتحديات الاستمرار

تواجه هذه الفرص تحديات تتصل بالانقسامات السياسية والتأثيرات الخارجية والملفات الأمنية العالقة، إضافة إلى متطلبات تمويل وتنفيذ مشاريع الطاقة والنقل الكبرى. وقد تؤثر أي مواجهات إقليمية جديدة على وتيرة التعاون والاستثمار.

لكن توسيع المصالح الاقتصادية المشتركة يمكن أن يوفر ضمانة إضافية لاستقرار العلاقة، إذ تزداد تكلفة الخلافات السياسية كلما تعمقت الروابط التجارية والاستثمارية وتكاملت شبكات النقل والطاقة.

وتبدو الفرصة المتاحة اليوم أمام دمشق وبغداد في تحويل التقارب السياسي إلى تعاون مؤسسي ومشاريع عملية، بما يعزز سيادة الدولتين واستقلال قرارهما. وسيكون التقدم في هذه المجالات المؤشر الفعلي إلى قدرة البلدين على بناء علاقة مستقرة تستفيد من التقارب الجغرافي والتكامل الاقتصادي، وتمنحهما قدرة أكبر على التعامل مع الاضطرابات الإقليمية.