صندوق "ستارت" يفتح لسوريا قناة جديدة لتمويل التعافي والإعمار

  • 2026-10-26
  • 13:36

صندوق "ستارت" يفتح لسوريا قناة جديدة لتمويل التعافي والإعمار

  • الاقتصاد والأعمال

تتقدم سوريا خطوة جديدة في إعادة بناء علاقاتها مع مؤسسات التمويل الدولية، من خلال الاتفاق الأخير مع مجموعة البنك الدولي على إنشاء صندوق ائتماني متعدد المانحين باسم "ستارت" (START)، لتعبئة الموارد اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار وتوجيهها نحو المشاريع ذات الأولوية.

ويفتح الصندوق المجال أمام تنسيق مساهمات المانحين ضمن آلية مؤسسية بإدارة البنك الدولي، مع إمكانية استخدام التمويل الميسر وضمانات الاستثمار والمساعدة الفنية لتوسيع نطاق التمويل وتشجيع مشاركة القطاع الخاص.

وجاء الاتفاق خلال الاجتماعات السنوية للمؤسسات المالية الدولية في بانكوك، حيث بحث وزير المالية محمد يسر برنية وحاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان مع مسؤولي البنك الدولي ترتيبات تأسيس الصندوق وحوكمته وآليات عمله. وأكد الجانب السوري ضرورة ارتباط برامجه بالأولويات الوطنية، وتوجيه موارده نحو مشاريع تحقق نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة.

وتنبع الحاجة إلى الصندوق من اتساع الفجوة بين احتياجات إعادة الإعمار والموارد المتاحة. فقد قدّر البنك الدولي في أكتوبر/تشرين الأول 2025 تكلفة إعادة إعمار المنشآت والممتلكات المتضررة بنحو 216 مليار دولار، تشمل 82 ملياراً للبنية التحتية، و75 ملياراً للمساكن، و59 ملياراً للمباني غير السكنية. وتغطي هذه التقديرات الأضرار المادية حتى عام 2024، فيما يحتاج التعافي الاقتصادي والاجتماعي إلى موارد إضافية لاستعادة الخدمات وتنشيط الإنتاج وتوفير فرص العمل.

وفي ظل محدودية الموارد المالية للدولة، يمكن للصندوق أن يساعد على جمع مساهمات المانحين في برامج مترابطة ومتعددة السنوات، بما يتيح تحديد الأولويات وإعداد المشاريع وتأمين تمويلها وتنفيذها وفق معايير مشتركة. وتبرز قيمته المحتملة في توفير تمويل أكثر انتظاماً لمشاريع مترابطة، خصوصاً في القطاعات التي يعتمد تعافي النشاط الاقتصادي على إعادة تأهيلها.

ويأتي تأسيس "ستارت" ضمن مسار بدأ في مايو/أيار 2025، عندما سددت السعودية وقطر متأخرات سوريا للمؤسسة الدولية للتنمية، البالغة نحو 15.5 مليون دولار، ما أعاد أهليتها لعمليات تمويل جديدة من البنك الدولي. وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، أعلن البنك استراتيجية لاستئناف التعاون مع سوريا تشمل تعبئة التمويل التنموي وإنشاء صندوق متعدد المانحين وتشجيع الاستثمار الخاص.

مصادر التمويل والحوكمة

يُفترض أن تأتي موارد "ستارت" أساساً من مساهمات الدول والمؤسسات المانحة، وأن يتولى البنك الدولي إدارتها وفق اتفاقيات تحدد شروط استخدامها والرقابة عليها. وعلى الرغم من التأييد الدولي للمبادرة، لم يُنشر حتى الآن حجم مستهدف للصندوق أو قائمة نهائية بالمساهمات المالية المؤكدة أو موعد لبدء الصرف.

وتشمل الأدوات المستهدفة التمويل الميسر والمساعدة الفنية وضمانات الاستثمار. ويمكن للتمويل الميسر أن يخفف الكلفة المالية للمشاريع، فيما تساعد الضمانات على الحد من بعض المخاطر التي تواجه المستثمرين والممولين. لكن التفاصيل التشغيلية لهذه الأدوات، ومصادر تمويلها وطريقة تقديمها، ما زالت تحتاج إلى تحديد.

وتختلف موارد "ستارت" عن المنح التي بدأ البنك الدولي تقديمها لسوريا عبر المؤسسة الدولية للتنمية، ومنها 146 مليون دولار للكهرباء، و20 مليوناً لتحسين الإدارة المالية العامة، و100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي. فهذه عمليات تمويلية مستقلة لا تدخل تلقائياً ضمن موارد الصندوق الجديد.

أما إدارياً، فسيتولى البنك الدولي إدارة الصندوق بالتنسيق مع الحكومة السورية والمانحين، استناداً إلى الأولويات الوطنية. ويبقى تحديد صلاحيات الأطراف في اختيار المشاريع واعتمادها وتنفيذها والرقابة على الإنفاق من المسائل التي ستتضح مع استكمال الترتيبات التأسيسية.

ويمتلك البنك الدولي خبرة في إدارة صناديق متعددة المانحين لدول عانت من الحروب والأزمات، بينها العراق وأفغانستان والصومال، مع اختلاف ظروف كل دولة واحتياجاتها ونماذج التمويل المعتمدة فيها. وتتميز الحالة السورية بضخامة احتياجات إعادة الإعمار، والحاجة المتزامنة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية والمؤسسات والقطاع المالي.

التمويل والاصلاح يعززان التعافي

ويتزامن إنشاء "ستارت" مع جهود سورية لإصلاح الإدارة المالية العامة وإعادة تأهيل القطاع المصرفي وتطوير أنظمة المدفوعات والرقابة المالية. ومن شأن التقدم في هذه المجالات تعزيز ثقة المانحين وتحسين قدرة المؤسسات السورية على إدارة الموارد وتنفيذ المشاريع. كما تبرز الحاجة إلى تطوير كفاءة الجهات الحكومية في إعداد الدراسات وطرح المناقصات وإدارة العقود ومراقبة النتائج، بما يساعد على تسريع استخدام التمويل وتحسين مردوده الاقتصادي والاجتماعي.

ويمكن أن يظهر الأثر المباشر للصندوق في إعادة تأهيل الكهرباء والمياه والنقل والخدمات الصحية والتعليمية.  

أما الأثر الأوسع فيرتبط بقدرة الصندوق على جذب تمويل إضافي من القطاع الخاص، عبر إعداد مشاريع قابلة للاستثمار وتوفير أدوات مناسبة للحد من المخاطر. ومن شأن ذلك تنشيط قطاعات المقاولات والصناعة والخدمات، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز مشاركة الشركات السورية في إعادة الإعمار.

ومع بلوغ احتياجات الإعمار المادي نحو 216 مليار دولار، تبقى مساهمات المانحين إحدى قنوات التمويل المطلوبة ضمن منظومة أوسع تشمل الموارد المحلية والاستثمارات الخاصة والتمويل التنموي الدولي.

وقد قطع مشروع "ستارت" مرحلة الاتفاق على إنشائه، فيما تنتظره خطوات استكمال الحوكمة والاتفاقيات المالية وتأكيد المساهمات وإعداد المشاريع الأولى.