خط الجزائر-تمنراست: محور جديد لربط مناطق الإنتاج بالأسواق

  • 2026-10-07
  • 17:22

خط الجزائر-تمنراست: محور جديد لربط مناطق الإنتاج بالأسواق

  • غازي يوسف

يتمتع مشروع خط السكة الحديدية الذي يربط الجزائر العاصمة بمنطقة تمنراست بأهمية خاصة ضمن برنامج أوسع تعمل الجزائر من خلاله على توسيع شبكة السكك وربط مناطق الإنتاج الزراعي والتعديني والطاقة في الجنوب والهضاب بالمراكز الصناعية والأسواق والموانئ المتوسطية.

ويأتي المشروع بعد دخول الخط المنجمي الغربي غارا جبيلات-تندوف-بشار الخدمة، بالتوازي مع تطوير الخط المنجمي الشرقي بين منطقة الفوسفات في تبسة وميناء عنابة، بما يكشف عن توجه متزايد لاستخدام السكك أداة لدعم الإنتاج والتصدير والتنمية الإقليمية، إلى جانب وظيفتها التقليدية في نقل الركاب.

ويستهدف خط الجزائر-تمنراست ربط العاصمة مروراً بالأغواط وغرداية والمنيعة وإن صالح وصولاً إلى تمنراست، على أن يدخل حيز الخدمة في نهاية عام 2028، وفق ما أعلنه الرئيس عبد المجيد تبون في اجتماع لمجلس الوزراء في 19 أبريل عام 2026. وتنبع أهميته الاقتصادية من أنه ينقل شبكة السكك إلى مناطق صحراوية واسعة تضم إمكانات في الزراعة والطاقة والتعدين والسياحة، ويقربها من مراكز الاستهلاك والتحويل والموانئ في الشمال.   

محور يتقدم جنوباً

يشكل خط الأغواط-غرداية-المنيعة، بطول 495 كيلومتراً، جزءاً أساسياً من هذا المحور. ويضم المشروع مقطعين رئيسيين، الأول بين الأغواط وغرداية والثاني بين غرداية والمنيعة، ليملأ فجوة رئيسية في امتداد الشبكة نحو الجنوب.

وقد وافق البنك الإفريقي للتنمية في ديسمبر عام 2025 على قرض بقيمة 747.32 مليون يورو للمرحلة الأولى من المشروع، قبل أن يقر في يوليو عام 2026 تمويلاً إضافياً بقيمة 878.09 مليون دولار للمرحلة الثانية، التي تشمل خصوصاً إنجاز مقطع غرداية-المنيعة بطول 230 كيلومتراً. ويشير البنك إلى أن المشروع مخصص لنقل الركاب والبضائع وخفض كلفة الخدمات اللوجستية وتسهيل وصول المنتجات الزراعية والصناعية إلى الأسواق.

ثلاثة محاور اقتصادية للسكك

لا يمكن النظر إلى خط تمنراست بمعزل عن التحول الذي تشهده شبكة السكك الجزائرية. ففي غرب البلاد، دخل خط غارا جبيلات-تندوف-بشار بطول 950 كيلومتراً الخدمة رسمياً في الأول من فبراير عام 2026. ويؤدي الخط وظيفة مباشرة في نقل إنتاج منجم غارا جبيلات للحديد، إلى جانب نقل الركاب وربط المناطق الواقعة على مساره بالشبكة الوطنية.

وفي الشرق، تتواصل أعمال تطوير الخط المنجمي الذي يربط منطقة بلاد الحدبة في تبسة بميناء عنابة على مسافة 422 كيلومتراً، لخدمة مشروع الفوسفات ونقل الإنتاج باتجاه منشآت التحويل والتصدير. وكانت وزارة الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية قد أعلنت في أبريل عام 2026 استمرار الأعمال بوتيرة متسارعة على مختلف ورشات هذا المحور.

بهذا تتكون تدريجياً ثلاثة اتجاهات رئيسية داخل شبكة السكك: محور غربي يخدم الحديد، ومحور شرقي يخدم الفوسفات والصناعات المرتبطة به، ومحور مركزي يتجه من الجزائر العاصمة نحو عمق الصحراء. وتجمع بينها وظيفة واحدة هي تقريب مناطق الموارد والإنتاج من مراكز التحويل والموانئ والأسواق.

ويمثل ذلك تحولاً مهماً في الدور الاقتصادي للسكك. فالمردود على الاستثمار في هذه الخطوط يرتفع عندما تصبح جزءاً من سلسلة تشمل المناجم أو المناطق الصناعية والزراعية، ثم شبكات النقل والتخزين والتحويل، وصولاً إلى الموانئ أو السوق النهائية.

من تمنراست إلى العمق الإفريقي

 وتتجه الجزائر أيضاً إلى إشراك البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية في تمويل المشروع. فقد طلبت وزارة المالية من البنك المساهمة في تمويل خط الأغواط-غرداية-المنيعة، ويبحث البنك حالياً قرضاً سيادياً مقترحاً بقيمة 700 مليون دولار، إلى جانب تمويل البنك الإفريقي للتنمية والأموال الوطنية.

ويضع البنك هذا الخط ضمن "الممر المركزي" للسكك الجزائرية، الممتد لنحو 2500 كيلومتر من ميناء الجزائر باتجاه الحدود مع النيجر، في إطار برنامج يستهدف زيادة طول شبكة السكك من نحو 7 آلاف كيلومتر إلى 15 ألف كيلومتر بحلول عام 2035.

وهنا يظهر البعد الإفريقي للمشروع بصورة أكثر تحديداً. فتمنراست يمكن أن تصبح محطة رئيسية على محور يقترب من دول الساحل، وهو ما يدعم طموح الجزائر إلى زيادة تجارتها البرية مع إفريقيا والاستفادة من موقعها بين المتوسط وعمق القارة.

لكن تحويل الامتداد الجغرافي إلى ممر تجاري فعلي يرتبط بعناصر أخرى إلى جانب السكة نفسها. فهناك حاجة إلى منظومة متكاملة تشمل الطرق والموانئ والمناطق اللوجستية وتسهيل الإجراءات الجمركية والرقمنة، وهي عناصر تحدد في النهاية سرعة انتقال السلع وكلفتها وقدرة المنتج الجزائري على المنافسة في الأسواق الإفريقية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تفتح سوقاً كبيرة أمام المنتجات الجزائرية، لكنها تجعل جودة شبكات النقل والخدمات اللوجستية عاملاً رئيسياً في القدرة على الاستفادة منها.

شبكة تتجاوز وظيفة النقل

يمتد الأثر الاقتصادي لمشاريع السكك من مرحلة الإنشاء والتشغيل إلى النشاط الذي يمكن أن ينمو حولها، من الخدمات اللوجستية والتخزين إلى الصناعات التحويلية والمشاريع الزراعية والصناعية. كما يتيح نقل كميات أكبر من البضائع بكلفة أقل، وربط مناطق الإنتاج والاستخراج بصورة أكثر كفاءة بالأسواق والموانئ.

ويضيف خط الجزائر-تمنراست بعداً أوسع إلى هذه الشبكة مقارنة بالخطين المنجميين شرقاً وغرباً، إذ يخدم مجموعة متنوعة من الأنشطة على امتداد وسط البلاد وجنوبها، ويعزز الترابط بين الزراعة والطاقة والتعدين والنقل والخدمات. ومع استكمال حلقاته، يمكن أن يدعم موقع الجزائر كممر تجاري ولوجستي بين المتوسط والساحل الإفريقي.