المركزي السوري يمضي في فتح قنوات الخارج وتطوير المصارف في الداخل

  • 2026-10-07
  • 11:45

المركزي السوري يمضي في فتح قنوات الخارج وتطوير المصارف في الداخل

  • الاقتصاد والأعمال

تكشف التحركات الأخيرة لمصرف سوريا المركزي أن جهود تطوير القطاع المصرفي بدأت تنتقل من معالجة آثار العزلة الخارجية إلى العمل على بناء منظومة مصرفية قادرة على استعادة دورها في التمويل والمدفوعات والارتباط بالمؤسسات المالية الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، وقّع حاكم المصرف محمد صفوت رسلان مع محافظ مصرف الإمارات المركزي خالد محمد بالعمى مذكرة تفاهم للتعاون في المجالات المالية والرقابية والتقنية، بعد أيام من مباحثات أجراها رسلان مع بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بشأن الاستخدام العملي لحساب المركزي السوري لديه.

وتوضح طبيعة الملفات التي يجري بحثها أن الأولوية لم تعد محصورة بإعادة فتح القنوات الخارجية، وإنما تمتد إلى إصلاح البنية التي يفترض أن تستخدم هذه القنوات. فمذكرة التفاهم مع المركزي الإماراتي تشمل أنظمة الدفع والسياسات النقدية والتقنيات المالية والشمول المالي وحماية المستهلك وبناء القدرات وتطوير الأطر الرقابية، وهي مجالات تقع في صلب عملية تحديث القطاع المصرفي السوري.

من فتح الحساب إلى استخدامه

 تحمل مباحثات نيويورك دلالة مختلفة ومكملة. فمصرف سوريا المركزي كان قد أعاد تفعيل حسابه بالدولار الأميركي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، بعد توقف طويل، ما أعاد إليه قناة مباشرة للتعامل بالدولار عبر النظام المالي الأميركي. وفي الاجتماع الأخير، ناقش وفد المركزي السوري مع مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الجوانب الفنية والتشغيلية وحالات الاستخدام الفعلي للحساب في تنفيذ العمليات والتحويلات والتسويات المصرفية. وبذلك ينتقل المسار من إعادة فتح قناة مالية كانت معطلة إلى تهيئتها للاستخدام الفعلي في المدفوعات والمعاملات الدولية.

لكن تشغيل الحساب لا يعني تلقائياً عودة التدفقات المالية أو العلاقات المراسلة بين المصارف السورية والبنوك الدولية. فهذه العودة تعتمد على قدرة النظام المصرفي نفسه على تلبية متطلبات الامتثال والشفافية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

 وفي السياق نفسه، بحث رسلان ووزير المالية محمد يسر برنية مع وزارة الخزانة الأميركية ومؤسسات مالية في نيويورك الخطوات التي تتخذها سوريا لمعالجة الثغرات في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وربطت الخزانة الأميركية بين توسيع العلاقات المالية مع سوريا وتحسين الضوابط الخاصة بالامتثال، باعتبارها متطلبات أساسية لعودة أكثر انتظاماً إلى النظام المالي العالمي.

إصلاح المصارف من الداخل

يبقى التحدي الأكبر داخل القطاع نفسه. فبعد سنوات طويلة من الانكماش والعزلة والاعتماد الواسع على النقد، يحتاج النظام المصرفي إلى تقييم أوضاع البنوك وتحديث الرقابة والبنية التحتية للمدفوعات والتكنولوجيا.

وهذا ما يتوقع أن يساهم بمعالجته مشروع تحديث القطاع المالي السوري الذي أقره البنك الدولي بقيمة 100 مليون دولار. ويتضمن المشروع مراجعة مستقلة لجودة موجودات المصارف العامة والخاصة، وتطوير الرقابة القائمة على المخاطر، وتحديث النظام المصرفي الأساسي للمركزي، وتعزيز الأمن السيبراني والبنية التحتية للائتمان والمدفوعات. ويصف البنك الدولي القطاع السوري بأنه ما زال صغيراً ويعتمد بدرجة كبيرة على النقد، مع محدودية في الوساطة المالية وتقادم في البنية الرقمية.

وتكتسب مراجعة جودة الموجودات أهمية خاصة لأنها ستوفر صورة أوضح عن الوضع المالي الحقيقي للمصارف بعد سنوات شهدت تراجعاً في النشاط الاقتصادي وتغيرات كبيرة في قيمة العملة وقدرة المقترضين على السداد. وعلى أساس هذه المراجعة يمكن تحديد ما تحتاجه البنوك من إعادة رسملة أو معالجة مالية وتشغيلية.

استعادة وظيفة القطاع المصرفي

يضع صندوق النقد الدولي هذه المهمة في صلب الإصلاح الاقتصادي السوري. فقد اعتبر أن الوضع الحالي للنظام المصرفي السوري يقيّد قدرة المركزي على تنفيذ السياسة النقدية ويحرم الاقتصاد من قناة فعالة للتمويل والمدفوعات. وتشمل الأولويات التي حددها إعداد قوانين جديدة للمصرف المركزي والمصارف، وتعزيز صلاحيات الرقابة والمعالجة، وتقييم الوضع المالي للبنوك وتحسين إطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

يمكن اعتبار التعاون مع المركزي الإماراتي والاجتماعات في نيويورك ومشروع البنك الدولي كأجزاء من مسار واحد. فالمركزي السوري يحاول في الوقت نفسه تطوير قدراته الرقابية والتقنية، إعادة تأهيل المصارف، تحديث أنظمة الدفع، وتحسين متطلبات الامتثال، بالتوازي مع استعادة العلاقات مع المؤسسات والبنوك الخارجية.

ويتوقع أن ينعكس هذا المسار على تحول القنوات التي يعاد فتحها اليوم إلى عمليات مصرفية فعلية، وعلاقات مراسلة وتمويل للتجارة والاستثمار، وعلى استعادة المصارف السورية قدرتها على جذب الودائع وتحويلها إلى تمويل للاقتصاد.