لماذا اليونان قبل فرنسا؟

  • 2022-08-01
  • 11:44

لماذا اليونان قبل فرنسا؟

  • وليد صافي


يتفق العديد من المحللين السياسيين أنه مع بداية تسلم ولي العهد الامير محمد بن سلمان لمهامه العام 2016، تغيّرت السياسة الخارجية للمملكة بشكل جذري، إذ اخذت ترتكز على الانفتاح الواسع في العلاقات الدولية وتخطي الاصطفافات التقليدية من خلال تنويع الشراكات وعدم ربط الامن القومي السعودي بتحالفات أحادية. بالطبع جاءت التحولات الكبيرة في السنوات الأخيرة، وتلك التي اعقبت الحرب في اوكرانيا وتداعياتها الجيوسياسية لتؤكد سلامة التوجه الجديد للمملكة، التي استطاعت ادارة خياراتها الاستراتيجية بكفاءة دبلوماسية عالية، إن من خلال موقعها الحاسم في اوبك + أو من خلال بناء الشراكات مع الصين والهند والتفاهمات مع روسيا ووصولاً الى اعادة تعزيز تحالفاتها الإقليمية في مواجهة التحديات الايرانية القائمة، وموقفها الحيادي من الحرب في اوكرانيا وعدم الانجرار الى مسلسل العقوبات على روسيا. 

 وجاءت زيارة ولي العهد محمد بن سلمان الى اليونان وفرنسا عقب قيامه بجولة اقليمية شملت مصر والاردن وتركيا واستقبال الرئيس الاميركي جون بايدن في جدة، وإعادة بناء الثقة التي اهتزت بين الدولتين وذلك من خلال تركيز التفاهمات الاستراتيجية المتعلقة بأمن الطاقة العالمية، وإنهاء حرب اليمن وتعزيز الاستقرار الاقليمي وتأمين الممرات البحرية، كما جاءت في إطار قراءة المملكة لاهمية الانفتاح على اوروبا التي تستعد لتغييرات هيكلية في تنويع مصادر الطاقة والتخلص من الاعتماد الكبير على الغاز الروسي، وفي الوقت الذي تواجه فيه القارة ازمة تضخم واحتمال ركود اقتصادي وتحديات امنية لم تشهدها منذ نهاية الحرب الباردة. والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا اختار ولي العهد اليونان اولاً، وما هي الاوراق الجيوسياسية التي حققتها هذه الزيارة قبل انطلاقه لزيارة فرنسا ؟ 

لماذا اليونان؟ 

بالطبع، فتحت زيارة ولي العهد الى اليونان كأول زيارة الى بلد عضو في الاتحاد الاوروبي بعد العام 2018، الطريق نحو استكمال التحول الاستراتيجي في السياسة الخارجية للمملكة. وتكتسب الزيارة اهميتها من الميزات الجيوستراتيجية التي تمثلها اليونان والتي تمكن قادتها على مرّ التاريخ القديم والحديث من الحفاظ عليها والاستثمار فيها لتعزيز مكانتها الاقتصادية ولاسيما في منطقة البلقان، اذ تعتبر اليونان المفتاح الاقتصادي الاهم في هذه المنطقة من اوروبا. وتمثل الجغرافيا اليونانية مكاسب استراتيجية مهمة في منطقة شرق البحر المتوسط، والتي جعلت من اليونان مفتاح القارة الاوروبية التي تحتاج اكثر من اي وقت مضى، لتعزيز شراكاتها مع الخليج، ولاسيما المملكة التي تملك اكبر اقتصادات المنطقة وتمثل قوة استثمارية عالمية رئيسية اضافة الى كونها احد اكبر منتجي النفط في العالم.  

وتستعدّ المملكة بحسب رؤية 2030، لتتصدر كبار منتجي وموردي الهيدروجين النظيف في العام 2040 بطاقة انتاجية تبلغ نحو 4 ملايين طن سنوياً مما يؤهلها لتكون في قلب المنافسة في الاسواق العالمية. وتأتي الزيارة الى اليونان في الوقت الذي يحتل فيه اقتصاد اليونان المرتبة 54 عالمياً، والمرتبة السادسة عشر في الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت الذي تجاوزت فيه اليونان معظم أثار ازمة  2009 المالية التي كانت لها تداعيات اقتصادية واجتماعية عميقة، اذ من المتوقع وبحسب بلومبرغ أن ينمو الاقتصاد اليوناني أكثر من المتوقع في العام 2022 مع عودة السياحة إلى البلاد بأعداد أكبر، كما يتوقع حاكم البنك المركزي ستورناراس أن يسجل الاقتصاد اليوناني نسبة نمو تقدر بنحو 3.2 في المئة، وأن يتجنب الركود في حال توقفت شحنات الغاز الروسي تماماً، وهذا ما اكدته بلومبرغ ايضاً من خلال تقديرها "أن البلاد في وضع أفضل من بعض أقرانها في منطقة اليورو في ما يتعلق بالتهديد المتمثل بقيام روسيا بقطع إمدادات الطاقة". والجدير ذكره أن الاقتصاد اليوناني الذي يعتمد بشكل اساسي على السياحة والشحن والمنتجات الصناعية ومعالجة الأغذية والتبغ والمنسوجات والكيماويات والمنتجات المعدنية والتعدين والبترول، لا يزال يواجه ارتفاع مستويات البطالة، والتهرب الضريبي والقدرة التنافسية المنخفضة.

البيانات والهيدروجين النظيف الطريق السريع الى اوروبا

الاتفاقية التي وقعت بين الجانبين السعودي واليوناني اثناء زيارة ولي العهد الامير محمد بن سلمان المتعلقة بمد كابل بيانات تحت البحر يربط أوروبا بآسيا، ما يسمى بـ "ممر البيانات من الشرق إلى المتوسط"، والذي سيتم تطويره من قبل MENA HUB، المملوك لشركة الاتصالات السعودية وشركة الاتصالات اليونانية، وتطبيقات الأقمار الصناعية TTSA، ستقدم لكلا الطرفين مزايا جيوسياسية مهمة في التحولات الرقمية التي تجري، إذ تقع البيانات الآن في مركز التجارة العالمية. وبحسب فورين افيرز، حددت التجارة الدولية في السلع والخدمات وتيرة العولمة على مدى عقود. لكن بعد الأزمة المالية العالمية، استقر نمو التجارة، وحلّ مكانه انفجار في تدفقات البيانات عبر الحدود، لقد أصبح الاقتصاد العالمي آلة حركة دائمة للبيانات: يستهلكها ويعالجها وينتج منها كميات متزايدة من أي وقت مضى".

أما اتفاقية ربط شبكتي الكهرباء بين البلدين لتزويد أوروبا بطاقة خضراء أرخص كما اشار ولي العهد، وتحويل اليونان كمركز اساسي لتصدير الهيدروجين والامونيا السعودية،  فهو سيعطي اليونان مزايا جيوسياسية واقتصادية مهمة، وسيرفع من حدة المنافسة مع تركيا التي تسعى لتكون مركزاً لتجميع الطاقة وتصديرها الى اوروبا. وفي هذا المجال اشار د.محمد الصبان، المستشار الاقتصادي والنفطي الدولي، لصحيفة "الشرق الأوسط"، أن اختيار السعودية للشراكة الطاقوية مع اليونان نابع من أهمية الموقع الجغرافي للجمهورية، كونها بوابة إلى دول الاتحاد الأوروبي، ما يعود بالفائدة على البلدين، مبيناً في الوقت ذاته أن المملكة تمضي قدماً في مرحلة إنتاج الهيدروجين الأخضر والأزرق.

 وبالطبع فإن الفوائد الجيوستراتيجية المهمة ستحققها المملكة التي ستقتطع دوراً مهماً ونفوذاً متجدداً في إعادة تركيب اسواق الطاقة في ضوء تداعيات الحرب في اوكرانيا، وإعادة تركيب مساحات النفوذ في اسواق الطاقة النظيفة. وقد عبّرت عن ذلك مجلة "فورين افيرز بالقول: " إن القدرة على وضع معايير للطاقة النظيفة سيشكل أحد مصادر الهيمنة وستكون أكثر دقة من القوة الجيوسياسية التي جاءت مع موارد النفط ولكنها دائمة. وعلى الصعيد الدولي بحسب المجلة نفسها، تحافظ الدولة أو الشركة التي تضع معايير عالمية لمواصفات المعدات أو قواعد الاشتباك على ميزة تنافسية على الآخرين، وقد اعطت المثال، على بروز أستراليا وتشيلي واليابان والمملكة العربية السعودية كأول من تبنوا تجارة الهيدروجين والأمونيا المنخفض الكربون عبر الحدود، وبالتالي قد تكون قادرة على وضع معايير البنية التحتية وقواعد الاعتماد لمصادر الوقود هذه، مما يمنحها التقنيات التي تتضمن كميات هائلة من البيانات، مثل الأدوات الرقمية التي تعمل على تحسين الشبكات الكهربائية أو إدارة طلب المستهلك. فإن من يحدد المعايير بحسب "فورين افيرز "لن يكون قادراً على تصدير الأنظمة المحلية المتوافقة فحسب، بل يمكنه أيضاً استخراج البيانات منها"، وهذا ما يؤكد المزايا الجيوسياسية المهمة التي ستحققها المملكة من خلال انتاج الهيدروجين النظيف واعتماد اليونان كمركز لتصديره الى اوروبا، بحيث ستتحول هذه المزايا ايضاً الى ورقة استراتيجية في يد المملكة لتحقيق توازن افضل مع تركيا التي شهدت علاقاتها مع المملكة تحسناً ملحوظاً في الآونة الاخيرة. 

زيارة ولي العهد السعودي الى اليونان والاتفاقات التي عقدت كمقدمة لتطوير شراكة ثنائية بين البلدين ستشكل بداية لمشهد جيوسياسي جديد في علاقة المملكة ليس فقط مع اليونان انما ايضاً مع الاتحاد الاوروبي الذي تلعب فيه فرنسا والمانيا الدور القيادي في المجالات المختلفة. وعلى الرغم من الاهمية الاستراتيجية لزيارة فرنسا والتي تناول البحث فيها بين ولي العهد الامير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون قضايا الطاقة والملف النووي الايراني والاستقرار الاقليمي والقضية الفلسطينية والارهاب وتداعيات الحرب في اوكرانيا والتي تتقاطع فيها مصالح الدولتين بشكل كبير، تبقى الاسئلة متعددة حول امكانية فرنسا الواقعية في ضمان متطلبات الامن القومي السعودي -سواء تم التوصل الى احياء الاتفاق النووي مع ايران او فشلت الجهود الديبلوماسية في ذلك- ، وفي وضع حد للنفوذ الايراني المتنامي في المنطقة العربية. اما السؤال الاهم، فإنه يتعلق بمدى عمق الشراكة الفرنسية - السعودية،  في ضوء  ما اثارته صحيفة le Monde الفرنسية خلال زيارة ولي العهد ولقائه الرئيس الفرنسي في الاليزيه بالقول : "أنه في كل مرة يتعثر فيها التحالف بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، يعود التفاهم بين المملكة وفرنسا مرة أخرى".