الاستثمارات الإماراتية في اليونان تنتقل إلى مرحلة الشراكات الاقتصادية المتكاملة

  • 2026-10-26
  • 13:15

الاستثمارات الإماراتية في اليونان تنتقل إلى مرحلة الشراكات الاقتصادية المتكاملة

  • بهيج أبو غانم

تتجه الشراكة الاقتصادية بين الإمارات واليونان نحو نموذج استثماري أوسع، يجمع بين الاستحواذ على شركات كبرى وتطوير أنشطتها والدخول في مشاريع جديدة تربط الطاقة المتجددة بالتكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية.

وقد أظهرت زيارة ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان إلى أثينا، في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مدى تطور هذه العلاقة، مع إعلان الإمارات نيتها ضخ استثمارات إضافية بقيمة 15  مليار يورو، والكشف عن 18 اتفاقية ومذكرة تفاهم وشراكة تجارية بقيمة 12.75 مليار يورو. وهي اتفاقيات متفاوتة من حيث طبيعتها ومراحل تنفيذها.  

ويستند التوسع الجديد إلى مسار بدأ بإقامة الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2020، ثم إطلاق مبادرة استثمارية مشتركة بقيمة 4 مليارات يورو عام 2022. وقد أكد رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس تجاوز هذا المستهدف، مستشهداً بالاستثمارات الكبرى التي نفذتها شركتا "مصدر" و "بيورهيلث".

وتعود جاذبية اليونان إلى التحسن الذي شهده اقتصادها بعد أزمة الديون وبرامج الإصلاح وإعادة الهيكلة، وما وفره ذلك من فرص للاستثمار في شركات تمتلك خبرات تشغيلية ومواقع متقدمة في قطاعاتها .  كما تستفيد الشركات الإماراتية من عضوية اليونان في الاتحاد الأوروبي وموقعها في شرق المتوسط، ومن إمكانات التوسع في أنشطة تتجاوز الاقتصاد المحلي.

الاستحواذات قاعدة للتوسع

يشكل استحواذ "مصدر" على شركة "تيرنا إنرجي" TERNA ENERGY، الذي اكتمل عام 2025، أحد أبرز أمثلة هذا التوجه. فقد بلغت القيمة الإجمالية للشركة نحو 3.2 مليارات يورو عند الإعلان عن الصفقة، التي منحت "مصدر" منصة تشغيلية في الطاقة المتجددة تمتلك مشاريع وخبرات في اليونان وأسواق أوروبية أخرى.

وتخطط "تيرنا إنرجي" لزيادة قدراتها التشغيلية إلى 6 غيغاواط بحلول عام 2030، ضمن خطة استثمارية بقيمة 5.5 مليارات يورو. وبذلك أصبح الاستحواذ قاعدة لتطوير مشاريع جديدة وزيادة الإنتاج، مستفيداً من الخبرة المحلية والقدرات التمويلية والتطويرية للشركة الإماراتية.

وفي قطاع الرعاية الصحية، استحوذت "بيورهيلث" على 60  في المئة من مجموعة "هيلينك للرعاية الصحية" مقابل 800  مليون يورو عام 2025، لتوسيع أعمالها عبر شبكة من المستشفيات ومراكز التشخيص في اليونان وقبرص. ويوفر الاستثمار فرصاً لتطوير الخدمات الطبية المتخصصة وتطبيق التقنيات الصحية، إلى جانب التوسع في أسواق أخرى.

وتوضح الصفقتان كيف تستخدم الشركات الإماراتية الاستحواذات الدولية لبناء قدرات تشغيلية وتوسيع انتشارها الجغرافي والاستفادة من خبرات الشركات المستحوذ عليها.

الطاقة والذكاء الاصطناعي: ترابط استثماري جديد

برز خلال الزيارة توجه نحو تطوير مشاريع تجمع قطاعات كانت تُعامل سابقاً بصورة منفصلة.  فقد أعلنت "مصدر"  اتفاقاً للاستحواذ على مشروع للطاقة الشمسية وتطويره في اليونان بقدرة تتجاوز 550  ميغاواط، مع خطط لإضافة منظومة بطاريات لتخزين الكهرباء.  كما وقعت مذكرة تفاهم مع "خزنة"  لتطوير مراكز بيانات تعمل بالطاقة النظيفة.

وتبرز هنا العلاقة المتنامية بين الطاقة والاقتصاد الرقمي. فالتوسع في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية يرفع الطلب على الكهرباء الموثوقة والتنافسية، بينما تتيح الاستثمارات في الطاقة المتجددة والتخزين تطوير البنية اللازمة لمراكز البيانات. وتوفر هذه العلاقة فرصاً للتكامل بين الشركات الإماراتية العاملة في القطاعين، وإن كانت المشاريع المشتركة ما زالت في مراحل تطوير مختلفة.

وفي الاتجاه نفسه، وقعت مجموعة "G42" وشركات تابعة لها تفاهمات مع جهات يونانية في مجالات الحوسبة المتقدمة والخدمات الحكومية الذكية وعلوم الحياة، ما يوسع نطاق الشراكة إلى قطاعات ذات قيمة تكنولوجية مرتفعة.

مصالح تتجاوز الاستثمار الثنائي

تسعى اليونان إلى استقطاب رؤوس الأموال والتكنولوجيا لتعزيز إنتاجيتها وتطوير بنيتها التحتية، مستفيدة من خبراتها في النقل البحري والطاقة والصناعة والسياحة. أما الإمارات، فترى في الشركات اليونانية فرصاً لتوسيع أعمال مؤسساتها الاستثمارية والتكنولوجية، ضمن انتشار دولي يشمل اقتصادات أوروبية كبرى أخرى.

وطرح رئيس الوزراء اليوناني أيضاً فرص التعاون في الممرات التجارية والطاقة والربط بين الخليج وأوروبا، وإمكان تطوير استثمارات مشتركة في دول ثالثة.

وتشير هذه التوجهات إلى تطور العلاقة من استحواذات في قطاعات محددة إلى شراكات أوسع بين شركات البلدين. وسيتوقف مدى نجاحها على قدرة الأطراف المعنية على تحويل التفاهمات الجديدة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، وتطوير استثمارات تستفيد من التكامل بين التمويل والتكنولوجيا والخبرات التشغيلية.