من دمشق إلى اللاذقية... العبار يختبر فرص التطوير العقاري في سوريا

  • 2026-10-08
  • 15:14

من دمشق إلى اللاذقية... العبار يختبر فرص التطوير العقاري في سوريا

  • الاقتصاد والأعمال

يمكن اعتبار زيارة محمد العبار الأخيرة إلى سوريا حدثاً يتجاوز بدلالته توقيع اتفاق استثماري جديد. فقد واكبت الزيارة حفاوة رسمية واهتمام إعلامي ملحوظ، وتوّجت بحضور الرئيس أحمد الشرع فعالية "الاستثمار في سوريا والمشاريع المنطلقة" في قصر الشعب بدمشق، حيث وقعت وزارتا الأشغال العامة والإسكان والسياحة اتفاقاً إطارياً مع شركة "إيجل هيلز" الإماراتية التي يقودها العبار لتطوير وإنشاء تجمعات عمرانية وسياحية.

وشمل الاتفاق مشروعي "تلال دمشق العقاري" و"اللاذقية السياحي"، فيما وصف وزير الأشغال العامة والإسكان الاتفاق بأنه انتقال من مرحلة الرؤية والتخطيط إلى الشراكة والتنفيذ. وتعكس الحفاوة التي واكبت الزيارة الوزن الذي تعطيه دمشق لدخول مستثمر بحجم العبار، والرهان على التطوير العقاري والسياحي كأحد المسارات القادرة على جذب رؤوس الأموال الخارجية وتحريك قطاعات واسعة من الاقتصاد.

وتزيد أهمية الخطوة مع انتقال الاهتمام من تصريحات واتصالات سابقة حول فرص الاستثمار في سوريا إلى اتفاق إطاري يحدد مشاريع ومواقع يمكن أن تبدأ منها "إيجل هيلز" بناء حضور طويل الأجل في السوق.

ولا بد هنا من التمييز بين "إعمار العقارية" و"إيجل هيلز". فهما شركتان مستقلتان، وإن كان محمد العبار القاسم المشترك بينهما. فهو مؤسس "إعمار"، الشركة المدرجة في سوق دبي المالي والتي ارتبط اسمه من خلالها بتطوير عدد من أبرز المجمعات المتكاملة والمشاريع متعددة الاستخدامات في دبي وأسواق أخرى. كما أسس ويرأس مجلس إدارة "إيجل هيلز"، وهي شركة استثمار وتطوير عقاري خاصة توسعت في عدد من الأسواق الدولية.

وتفيد تجربة العبار الطويلة مع "إعمار" في فهم الخبرة والنموذج التطويري الذي يحمله معه إلى سوريا، لكن المشروعين الجديدين موضوع الاتفاق الحالي هما من مشاريع "إيجل هيلز". ويشمل الاتفاق تطوير سلسلة من التجمعات السكنية والسياحية في عدد من المحافظات، على أن تبدأ المرحلة الأولى من دمشق واللاذقية، ضمن إطار تعاون يغطي التخطيط والتطوير والتنفيذ واحتياجات كل موقع من البنية التحتية والخدمات.

ويضع هذا النوع من المشاريع خبرة العبار في تطوير المجمعات المتكاملة في صلب التجربة السورية الجديدة. فالفكرة تتجاوز إنشاء أبراج أو وحدات سكنية منفردة إلى تطوير مناطق تجمع السكن والتجارة والضيافة والخدمات والمرافق العامة ضمن مخطط واحد. وهو نموذج يحتاج في سوريا إلى أن يتكيف مع واقع اقتصادي واجتماعي وتمويلي مختلف.

من الاتفاق إلى السوق

ومع إعلان الحكومة أن تنفيذ المشروعين سيبدأ مباشرة، تتجه الأنظار إلى توقيت بدء الأعمال التنفيذية على الأرض، وحجم المراحل الأولى، ونوعية المنتج الذي ستطرحه.

ولا يقدم بيان الاتفاق أو إعلان "إيجل هيلز" حتى الآن صورة كاملة عن حجم الاستثمار في كل مشروع، وعدد الوحدات، وجدول التنفيذ ومواعيد التسليم وهيكل التمويل.

لكن المجمعات المتكاملة تحتاج بطبيعتها إلى سنوات لإنجازها، إذ يجري تطويرها وبناؤها على مراحل متتالية. وهذا يمنح السوق والاقتصاد وقتاً للتطور بالتوازي معها. ولا يشترط أن تكون جميع مقومات السوق السورية مكتملة عند إطلاق المرحلة الأولى، لكن نجاح المشاريع واتساعها مع الوقت يحتاجان إلى نمو اقتصادي أوسع، وتحسن تدريجي في مداخيل الأسر وقوتها الشرائية، وترسيخ الاستقرار وعودة الاستثمار وخلق فرص العمل.

وهنا تبرز الفجوة بين الحاجة الكبيرة إلى العقار والطلب القادر على الشراء. وتقدر وزارة الأشغال العامة والإسكان أن العجز السكني قد يتجاوز مليوني وحدة بحلول عام 2030 في حال عدم الاستجابة له، ما يعكس حجم الحاجة إلى البناء. لكن الحاجة وحدها لا تكفي لإنشاء سوق عقارية قابلة للاستمرار، إذ يتطلب ذلك تطور القوة الشرائية والمداخيل بما يسمح لشريحة واسعة من السكان بشراء أو استئجار المنتج الجديد.

ويطرح ذلك سؤالاً حول الشرائح التي تستهدفها مشاريع "إيجل هيلز". فقد يأتي جزء من الطلب الأولي من السوريين ذوي الإمكانات المالية العالية، مثل المغتربين، أو من مستثمرين يملكون السيولة، فيما يمكن للمطور الاعتماد في المراحل الأولى على التمويل الذاتي والبيع المبكر وخطط التقسيط. لكن بناء مجتمعات متكاملة كبيرة لا يمكن أن يعتمد على هذه الشرائح وحدها إذا كان الهدف إنشاء سوق واسعة ومستقرة.

قاعدة تنفيذية بحجم المشاريع

كما يحتاج تنفيذ مشاريع بهذا الحجم إلى قاعدة تنفيذية قادرة على مواكبتها. فالمسألة لا تتعلق بتوافر الأرض والتمويل والمخططات فقط، وإنما أيضاً بشركات مقاولات ذات كفاءة فنية وقدرات مالية وإدارية مرتفعة، وشبكة من الموردين وشركات الهندسة وإدارة المشاريع، وسلاسل توريد مستقرة للمواد والمعدات.

ويمكن لهذه المشاريع أن تستقطب أيضاً شركات مقاولات إقليمية وعالمية كبيرة، سواء كمقاولين رئيسيين أو عبر شراكات مع شركات محلية، بما يوسع القدرات التنفيذية المتاحة وينقل خبرات فنية وإدارية جديدة. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يشكل توسع الاستثمار العقاري اختباراً لقدرة قطاع المقاولات السوري على استعادة طاقته، وفرصة لإعادة بناء قدرات تنفيذية أكثر كفاءة.

التمويل والتنظيم جزء من التطوير

إلى ذلك، يصبح تطوير منظومة التمويل العقاري جزءاً من نجاح المشاريع. فالمطور يستطيع تمويل البناء أو الاستفادة من التدفقات الناتجة عن المبيعات، لكن تنامي قاعدة المشترين يحتاج مع الوقت إلى مصارف وشركات تمويل قادرة على تقديم قروض عقارية طويلة الأجل وأدوات تساعد الأسر على توزيع كلفة المسكن على سنوات.

كما يحتاج السوق إلى أطر تنظيمية ورقابية واضحة تشمل البيع على الخارطة، وحماية أموال المشترين، وتسجيل الملكيات، والتراخيص، ومعايير البناء، والرهن والتمويل، والعلاقة التعاقدية بين المطور والمشتري.

وتظهر أهمية هذه المنظومة خصوصاً في سوق تعاني نقصاً كبيراً في المعروض وتفاوتاً واسعاً في القوة الشرائية. فدخول استثمارات كبيرة وارتفاع الطلب على الأراضي يمكن أن يدفعا الأسعار سريعاً إلى الارتفاع إذا سبق النشاط العقاري نمو الاقتصاد والمداخيل، ما قد يجعل نسبة أكبر من العقارات خارج متناول شريحة واسعة من المجتمع أو يدفع جزءاً من السوق نحو المضاربة.

ومن هنا لا ينحصر التحدي في جذب مطورين كبار، وإنما في توفير الظروف التي تجعل استثماراتهم توسع المعروض وتنتج مساكن ومساحات تجارية وسياحية تتناسب مع الطلب الفعلي والقدرة على الدفع. ويمكن لامتداد مشاريع "إيجل هيلز" على سنوات أن يساعد في تحقيق هذا التوازن، شرط أن يواكبه نمو المداخيل، وتطور التمويل العقاري، وتحسن بيئة الاستثمار واستقرار القواعد المنظمة للسوق.

لذلك توفر زيارة العبار والحفاوة التي أحاطت بها إشارة مهمة إلى عودة مطور إقليمي كبير للنظر إلى سوريا كسوق استثمارية طويلة الأجل. أما المرحلة التالية فستتركز على سرعة انتقال "إيجل هيلز" من اتفاق الإطار إلى الأعمال الفعلية، وعلى قدرة السوق السورية على النمو بالتوازي مع هذه المشاريع، بحيث تصبح الاستثمارات العقارية جزءاً من التعافي الاقتصادي وتوسيع المعروض، من دون أن تسبق الأسعار نمو المداخيل والتمويل بالسرعة التي تدفع العقار بعيداً عن متناول غالبية المجتمع.