الدقم تعيد رسم موقع عُمان الاقتصادي: عقدة صناعية ولوجستية خارج مضيق هرمز

  • 2026-06-10
  • 22:45

الدقم تعيد رسم موقع عُمان الاقتصادي: عقدة صناعية ولوجستية خارج مضيق هرمز

  • أولاً- الاقتصاد والأعمال

تدخل المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم مرحلة جديدة من تطورها مع توقيع 10 اتفاقيات استثمارية ومذكرات تعاون لتأسيس مشروعات جديدة بقيمة تبلغ 2.9 مليار ريال عُماني، أي ما يعادل نحو 7.5 مليار دولار.

يعكس حجم هذه الاستثمارات تحوّلاً واضحاً في مسار الدقم، ويكشف انتقالها من منطقة اقتصادية قيد البناء إلى منصة صناعية ولوجستية أكثر تكاملاً، تجمع بين الطاقة الخضراء، والصناعات التحويلية، وسلاسل الإمداد، والبتروكيماويات، والخدمات السكنية والسياحية، وتمنح عُمان موقعاً أوسع في خريطة التجارة والاستثمار في الخليج والمحيط الهندي.

تأتي هذه الحزمة الاستثمارية في مرحلة ترتفع فيها أهمية المواقع اللوجستية البديلة، وتزداد فيها حاجة الدول والشركات إلى بناء ممرات أكثر مرونة للتجارة والطاقة والصناعة.

ومن هنا، تبدو الدقم مشروعاً يتجاوز التنمية المحلية إلى التموضع الاقتصادي الإقليمي. فهي تقع على بحر العرب، خارج مضيق هرمز، وقريبة من خطوط الملاحة الدولية التي تربط آسيا بأفريقيا والشرق الأوسط والأسواق العالمية. ويمنح هذا الموقع عُمان ورقة استراتيجية مهمة، لأنه يتيح لها تطوير مركز اقتصادي وصناعي قادر على خدمة التجارة الإقليمية والعالمية عبر منفذ مباشر على المحيط الهندي.

التحول إلى منصة اقتصادية متكاملة

تكمن أهمية الاتفاقيات الجديدة في تنوعها القطاعي، إضافة إلى قيمتها المالية الكبيرة. فالمشروعات تشمل تنفيذ المرحلتين الثانية والثالثة من مشروع "أكمي" للهيدروجين الأخضر، وإنشاء محطة كهرباء مستقلة، وتأسيس مشروع لصناعة مواد الأنود الخاصة ببطاريات السيارات الكهربائية، ومشروعاً لمعالجة سوائل الغاز الطبيعي، ومصانع للمواد الكيميائية والهياكل الحديدية والقوالب الإسمنتية الجاهزة، إلى جانب مدينة سكنية لموظفي شركة جندال، ومجمع صناعي متكامل، ومشروع سياحي وتقني يضم فنادق ومجمعاً تجارياً ومكاتب.

يعطي هذا التنوع الدقم ملامح مدينة اقتصادية كاملة. فنجاح المنطقة يقوم على منظومة مترابطة تضم الطاقة، والميناء، والمصانع، والخدمات، والإسكان، والسياحة، وسلاسل التوريد. وكلما اكتملت هذه الحلقات، زادت قدرة الدقم على جذب استثمارات أكبر، وتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية مباشرة.

ووفق هذا المسار تتحول الدقم إلى مساحة تجمع الإنتاج والتصدير والخدمات في مكان واحد. فالميناء يوفر منفذاً للتجارة، والمنطقة الصناعية تمنح الشركات مساحات للتصنيع، ومشروعات الطاقة تضمن تلبية الطلب المتزايد، والخدمات السكنية والسياحية تساعد على بناء بيئة عمل وحياة أكثر استقراراً. وتدعل هذه العناصر مجتمعة الدقم أقرب إلى منصة اقتصادية متكاملة منها إلى منطقة صناعية تقليدية.

موقع خارج هرمز بقيمة استراتيجية متزايدة

تتمتع الدقم بميزة جغرافية يصعب فصلها عن دلالات الاستثمارات الجديدة. فهي تمنح عُمان منفذاً مباشراً على بحر العرب والمحيط الهندي، بعيداً عن مضيق هرمز الذي تمر عبره كميات ضخمة من تجارة الطاقة في الخليج والذي لا تزال الملاحة فيه رهينة حرب إيران وتبعاتها. وتزداد قيمة هذا الموقع في بيئة عالمية باتت فيها الشركات تعيد النظر في مرونة سلاسل الإمداد، وتبحث عن موانئ تقلل المخاطر، وتوفر خيارات بديلة للتخزين والشحن والتصنيع وإعادة التصدير.

فالدقم تتحول عملياً إلى جزء من البنية الاستراتيجية للأمن اللوجستي في المنطقة. فهي تضيف خياراً مختلفاً إلى خريطة التجارة الخليجية، وتمنح الشركات منصة إنتاج وتوزيع قريبة من طرق الملاحة الدولية، وقادرة على خدمة الأسواق الآسيوية والأفريقية والخليجية. هذه الميزة تجعلها مؤهلة لأن تصبح عقدة لوجستية خارج الممرات البحرية الأكثر حساسية داخل الخليج.

وترتبط أهمية الدقم في هذا المجال بقدرتها على الجمع بين الموقع والمشروعات الصناعية. فالموقع البحري يعطي ميزة أولية، بينما تمنح الصناعات الجديدة هذا الموقع وظيفة اقتصادية أعمق. وعندما تنتقل البضائع والمواد الخام والمنتجات النهائية عبر ميناء مرتبط بمنطقة صناعية واسعة، يصبح الميناء جزءاً من دورة إنتاج وتصدير، وليس مجرد نقطة عبور.

الهيدروجين الأخضر، عنوان لاقتصاد المستقبل

يمثل مشروع "أكمي" للهيدروجين الأخضر أكبر مكونات الحزمة الاستثمارية الجديدة، باستثمارات تبلغ نحو 1.6 مليار ريال عُماني، أي ما يعادل 4.2 مليار دولار. ويشمل المشروع إنشاء منشأة صناعية واسعة النطاق لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء على مساحة 10 كيلومترات مربعة. وعند اكتمال المرحلتين الثانية والثالثة، ستصل الطاقة الإنتاجية الإجمالية إلى 800 ألف طن متري سنوياً من الأمونيا الخضراء و142 ألف طن متري سنوياً من الهيدروجين الأخضر.

تضع هذه الأرقام الدقم في قلب التحول العالمي نحو الوقود النظيف. فالهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء أصبحا جزءاً من سباق صناعي وتجاري جديد، وتعمل دول عدة على بناء قدرات إنتاج وتصدير في هذا المجال. وتملك الدقم مقومات مناسبة لهذا الدور، من خلال المساحات الواسعة، والموقع البحري، والقدرة على إنشاء منشآت صناعية كبيرة، والقرب من الأسواق الآسيوية والأوروبية المحتملة.

وتتعامل عُمان مع الطاقة الخضراء كمدخل لبناء صناعات جديدة وتوسيع الصادرات غير النفطية. فمشروع الهيدروجين يمكن أن يدعم لاحقاً صناعات معدنية وكيميائية منخفضة الانبعاثات، ويجذب شركات تبحث عن مواقع إنتاج أكثر توافقاً مع متطلبات التحول المناخي. ومن خلال الدقم، تستطيع السلطنة أن تربط الطاقة النظيفة بالموانئ والصناعة والتجارة الخارجية في إطار واحد.

البطاريات والسيارات الكهربائية تدخل خريطة الدقم

من بين المشروعات اللافتة أيضاً مشروع صناعة مواد الأنود الخاصة بالبطاريات المستخدمة في السيارات الكهربائية، بقيمة استثمارية تقارب 500 مليون دولار.

يركز المشروع على تصنيع مادة الأنود القائمة على السيليكون، وهي مادة تدخل في بطاريات الليثيوم-أيون وتساعد على رفع كثافة الطاقة. ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج التجريبي للمرحلة الأولى في الربع الثاني من عام 2027، بطاقة إنتاجية تبلغ 2000 طن سنوياً، ترتفع لاحقاً إلى 5000 طن سنوياً بعد المرحلة الثانية.

يحمل هذا المشروع دلالة مهمة لأنه ينقل الدقم إلى سلاسل قيمة صناعية أكثر تقدماً. فالعالم يتجه إلى توسيع إنتاج السيارات الكهربائية والبطاريات، والشركات تبحث عن مواقع جديدة لتأمين مكونات البطاريات وتنويع سلاسل التوريد. ومن خلال هذا المشروع، تحاول عُمان أن تدخل جزءاً من هذه السلسلة العالمية، وأن تربط موقع الدقم اللوجستي بصناعة مستقبلية ذات قيمة مضافة عالية.

كما أن وجود مستثمر صيني في هذا القطاع يعكس قدرة الدقم على جذب شركات آسيوية عاملة في تقنيات متقدمة. ويحمل هذا النوع من الاستثمارات معه معرفة صناعية، وفرص تدريب، وروابط تصدير، وقدرة على بناء قاعدة إنتاج محلية أكثر تطوراً. ومع الوقت، يمكن لهذه المشروعات أن تفتح المجال أمام صناعات مكمّلة في التخزين والطاقة والمكونات الصناعية.

الطاقة والبنية الأساسية شرط الانتقال إلى الصناعة

يمثل مشروع محطة الكهرباء المستقلة في الدقم، باستثمارات تبلغ نحو 910 ملايين دولار، أحد الشروط الأساسية لنجاح المنطقة في مرحلتها المقبلة. فالمشروعات الصناعية الكبرى تحتاج إلى طاقة موثوقة، والمدن الاقتصادية تحتاج إلى قدرة كهربائية كافية لتلبية الطلب الحالي والمستقبلي. وتبلغ الطاقة الإنتاجية الصافية للمحطة 890 ميغاواط، مع توقع التشغيل المبكر في أبريل 2028 والتشغيل التجاري في أبريل 2029.

تتجاوز أهمية المشروع توفير الكهرباء للمصانع الجديدة. فالمحطة صممت لكي تكون أكثر جاهزية للمستقبل، من خلال تخصيص مساحات للبنية الأساسية المرتبطة بخفض الانبعاثات، بما في ذلك تقنيات التقاط الكربون وإمكانية رفع نسبة الهيدروجين في مزيج الوقود. وهذا يعطي المشروع بعداً مزدوجاً يساعد على دعم النمو الصناعي، وتهيئة البنية الأساسية للتحول التدريجي نحو طاقة أقل انبعاثاً.

ويعكس هذا الاستثمار أن الدقم تدخل مرحلة يرتفع فيها الطلب الفعلي على الخدمات الأساسية. فكل مشروع جديد يحتاج إلى طاقة ومياه وطرق واتصالات وخدمات لوجستية. وكلما تحسنت هذه البنية، زادت قدرة المنطقة على اجتذاب مشروعات أكثر تعقيداً وأعلى قيمة.

البتروكيماويات وتعظيم قيمة الموارد الوطنية

تدخل مجموعة أوكيو إلى هذه الحزمة من خلال مذكرة تعاون لمشروع محطة فصل ومعالجة سوائل الغاز الطبيعي في منطقة الصناعات البتروكيماوية بالدقم، باستثمارات تقدر بنحو 750 مليون دولار. ويشكل هذا المشروع حلقة مهمة في بناء قاعدة بتروكيماوية وتحويلية داخل المنطقة، لأنه يهدف إلى فصل مكونات سوائل الغاز الطبيعي إلى منتجات مثل البروبان والبيوتان والهيدروكربونات الثقيلة، تمهيداً لاستخدامها في الصناعات اللاحقة أو تصديرها عبر ميناء الدقم.

تظهر أهمية هذا المشروع في أنه يحول الموارد الوطنية إلى مدخلات صناعية ذات قيمة أكبر. فالاقتصادات المنتجة للطاقة تسعى اليوم إلى استخراج قيمة أعمق من النفط والغاز عبر المعالجة والتصنيع والصناعات التحويلية. ومن خلال الدقم، تستطيع عُمان أن تربط مواردها الطبيعية بالميناء وبالصناعات اللاحقة وبالأسواق الخارجية. وهذا يعزز التنويع الاقتصادي من داخل قطاع الطاقة نفسه، ويفتح أمامه حلقات إنتاج أكثر تقدماً.

كما يدعم المشروع تطوير مجمع البتروكيماويات في الدقم، ويوفر مواد أولية لصناعات لاحقة يمكن أن تجذب استثمارات إضافية. وكلما توافرت المواد الأولية بالقرب من الميناء والمناطق الصناعية، زادت قدرة الشركات على خفض الكلفة وتحسين سرعة الإنتاج والتصدير.

هوية استثمارية أكثر وضوحاً

تكتسب الاتفاقيات الجديدة أهمية إضافية من تنوع جنسيات المستثمرين. فقد شملت استثمارات من الصين والهند وكوريا الجنوبية والفلبين وألمانيا ومصر، إلى جانب شركات حكومية وخاصة من سلطنة عُمان.

ويعكس هذا التنوع قدرة الدقم على مخاطبة أكثر من سوق وأكثر من نوع من المستثمرين. فهناك شركات تبحث عن الطاقة النظيفة، وأخرى عن الصناعات التحويلية، وثالثة عن موقع لوجستي، ورابعة عن منصة تخدم أسواق الخليج وأفريقيا وآسيا.

بالنسبة إلى عُمان، يمثل هذا التنوع مكسباً استراتيجياً. فهو يقلل الاعتماد على مصدر واحد للتمويل أو التكنولوجيا، ويفتح المجال أمام شراكات متعددة مع آسيا وأوروبا والعالم العربي. كما يعكس ثقة متزايدة في البيئة الاستثمارية العُمانية، وفي قدرة الدقم على الانتقال من مرحلة التخطيط والبنية الأساسية إلى مرحلة الإنتاج والتشغيل.

وتأتي هذه الاستثمارات في وقت تتنافس فيه دول الخليج على استقطاب رأس المال الأجنبي والصناعات الجديدة. وتمتلك الدقم عرضاً استثمارياً يقوم على مزيج خاص يتكون من موقع خارج هرمز، مساحة واسعة، ميناء عميق، منطقة اقتصادية خاصة، فرص في الطاقة الخضراء، وقرب من طرق التجارة العالمية. وتمنح هذه العناصر عُمان هوية استثمارية أكثر وضوحاً داخل المشهد الخليجي.

من المشروعات الكبرى إلى الاقتصاد المحلي

تحتاج الدقم إلى التحول من منطقة مشروعات كبيرة إلى اقتصاد محلي حي. لذلك تكتسب المشروعات السكنية والسياحية والخدمية أهمية كبيرة في هذه المرحلة. فمدينة جندال السكنية، التي تضم 500 وحدة سكنية، تمثل خطوة في بناء مجتمع عمل مستقر داخل المنطقة. وجود مساكن وخدمات ومرافق للموظفين يساعد على جذب الكفاءات، ويخفف من الطابع المؤقت للعمالة، ويدعم استقرار الشركات الصناعية الكبرى.

كذلك يحمل مشروع "روبي للاستثمار والتطوير"، الذي يضم فندقين ومجمع تسوق ومكاتب، دلالة مهمة على أن الدقم تحتاج إلى خدمات حياة يومية، إلى جانب المنشآت الصناعية. فالمناطق الاقتصادية الناجحة تتحول تدريجياً إلى مدن عمل وسكن وخدمات. وكلما تحسنت جودة الحياة، زادت قدرة المنطقة على استقطاب المستثمرين والموظفين والمديرين والخبرات الفنية.

أما مجمع "تروت القابضة" للصناعات الخفيفة، المقام على مساحة مليون متر مربع، فيمكن أن يلعب دوراً مهماً في خلق قاعدة أوسع من الشركات الصغيرة والمتوسطة والمصانع المتنوعة. وهذا مهم لأن الاقتصاد الصناعي يحتاج إلى موردين، ومقاولين، وخدمات مساندة، وشركات ناشئة، وشبكة أعمال محلية مرتبطة بالمشروعات الكبيرة.

الدقم وتنويع الاقتصاد العُماني

تنسجم هذه المشروعات مع الهدف الأوسع لعُمان في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط والغاز كمصدر رئيسي للدخل. فالدقم تجمع بين قطاعات يمكن أن تفتح مصادر جديدة للنمو: الهيدروجين الأخضر، الصناعات المرتبطة بالبطاريات، البتروكيماويات، الصناعات الهندسية، البناء الصناعي، المجمعات الصناعية، السياحة، والخدمات اللوجستية.

هذا التنوع يعطي الاقتصاد العُماني فرصة لتوسيع قاعدته الإنتاجية. فكل مشروع جديد يخلق طلباً على خدمات أخرى مثل النقل، التخزين، الصيانة، المقاولات، التدريب، التمويل، التأمين، الخدمات المهنية، والإمدادات المحلية. ومع الوقت، يمكن أن تتحول الدقم إلى نقطة جذب لشركات تأتي لبناء حضور طويل الأمد يخدم أسواقاً متعددة.

وتزداد أهمية الدقم عندما تتحول الاستثمارات المعلنة إلى سلاسل قيمة داخلية. فالقيمة الكبرى تأتي من ربط المصانع بموردين محليين، وتدريب عمالة وطنية، وتطوير خدمات لوجستية، وتشجيع شركات صغيرة على العمل حول المشروعات الكبرى، وزيادة الصادرات غير النفطية. عندها تصبح الدقم أداة عملية لتنويع الاقتصاد، وعنواناً لتحول إنتاجي أوسع في السلطنة.

تحدي التنفيذ والربط والتنافسية

رغم أهمية الحزمة الجديدة، فإن نجاح الدقم يرتبط بقدرتها على تحويل الاتفاقيات إلى مشروعات عاملة في المواعيد المحددة. فالمناطق الاقتصادية الكبرى تحتاج إلى سرعة في الإجراءات، ووضوح في القوانين، وكفاءة في الخدمات، وبنية لوجستية متصلة، وأسعار تنافسية للطاقة والأرض والخدمات.

كما تحتاج إلى قدرة مستمرة على تذليل العقبات أمام المستثمرين، خصوصاً في المشروعات الصناعية المعقدة التي تعتمد على التراخيص، والبنية الأساسية، وسلاسل التوريد، والعمالة الفنية.

ويرتبط التحدي الآخر بربط الدقم بباقي الاقتصاد العُماني. فموقعها البحري يعطيها ميزة كبرى، والعقدة اللوجستية تصبح أكثر قوة عندما ترتبط بشبكة داخلية فعالة من الطرق والمخازن والخدمات والمناطق الصناعية والأسواق المحلية. ومن المهم أن تتحول الدقم إلى بوابة لعُمان كلها، وإلى منصة تصدير وتصنيع وخدمات مرتبطة بالاقتصاد الوطني.

كما أن المنافسة الإقليمية ستكون قوية. فدول الخليج تستثمر بكثافة في الموانئ والمناطق الصناعية والطاقة النظيفة وسلاسل الإمداد. لذلك تحتاج الدقم إلى الاستمرار في بناء ميزتها الخاصة المبنية على الموقع خارج هرمز، والحياد الجغرافي، والقدرة على خدمة المحيط الهندي، والمساحات الواسعة المتاحة للصناعات الثقيلة والخضراء.

بوابة عُمان إلى التموضع الجديد

تكشف الاتفاقيات الجديدة أن الدقم أصبحت واحدة من أهم أدوات التموضع الاقتصادي العُماني في السنوات المقبلة. فهي تمنح السلطنة منصة تجمع بين الأمن اللوجستي، والتنويع الصناعي، وجذب الاستثمار الأجنبي، والدخول إلى قطاعات المستقبل. كما تمنحها منفذاً استراتيجياً خارج مضيق هرمز، في وقت تزداد فيه أهمية المرونة في التجارة وسلاسل الإمداد.

تشكل المشروعات المعلنة بقيمة 7.5 مليار دولار اختباراً حقيقياً لقدرة الدقم على الانتقال إلى مرحلة الإنتاج والتشغيل والتكامل الاقتصادي. وإذا نجحت المنطقة في تنفيذ هذه المشروعات، وربطها بالاقتصاد المحلي، وتوسيع قاعدة الموردين والعمالة والخدمات، فإنها يمكن أن تتحول إلى أحد أهم مراكز النمو في عُمان، وإلى عقدة صناعية ولوجستية جديدة على خريطة الخليج والمحيط الهندي.

ويمكن القول أن الدقم تحمل وعداً يتجاوز حدودها الجغرافية. فهي تعبر عن محاولة عُمانية لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً، وأكثر ارتباطاً بالتجارة العالمية، وأكثر قدرة على التعامل مع تحولات الطاقة والصناعة وسلاسل الإمداد. ومن خلال موقعها خارج هرمز، يمكن للدقم أن تمنح عُمان دوراً جديداً وهو أن تكون  بوابة آمنة ومرنة بين الخليج والمحيط الهندي، ومنصة إنتاج وتصدير في اقتصاد عالمي يبحث دائماً عن بدائل أكثر استقراراً وتنوعاً.