الكويت في ظل كورونا: إجماع على الاقتراض

  • 2020-04-12
  • 14:00

الكويت في ظل كورونا: إجماع على الاقتراض

الرواتب تلتهم 70 في المئة من النفقات.. وخلاف حول توقيت الإصلاح

  • عاصم البعيني

في الوقت الذي كانت فيه جهود المؤسسات الصحية في الكويت محل إجماع لجهة كفاءة خيارات التعامل مع فيروس كورونا، تسارعت وتيرة التجاذب حول الملفين المالي والاقتصادي، ومرد ذلك، يعود إلى اتساع هوة العجز في الميزانية العامة على إثر انهيار أسعار النفط وتفاقم الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد مع استحواذ الرواتب والدعم على نحو 70 في المئة من النفقات.

هذه التطورات التي جاءت في ما تواصل الحكومة الكويتية العمل منذ سنوات على تغطية النفقات من الاحتياطي العام الذي بدا وكأنه على مشارف النفاذ، في ظل غياب قانون يمكنها من اللجوء إلى الأسواق الدولية للاقتراض، جعلت كورونا ضيفاً ثقيلاً يرخي بظلاله على واقع مالي متثاقل منذ سنوات، فكيف يبدو المشهد الكويتي راهناً، وما هي الحلول المطروحة؟ 

تصور حول حجم الحزمة

دخل مقترح تقديم حزم دعم مالي مباشر للشركات في حال تجاذب ما بين مؤيد لهذا التوجه يرى أن الشركات تستحق هذا الدعم لاستعادة وتيرة نشاطها نظراً إلى مساهمتها في توفير فرص العمل، ومعارض له باعتبار أن مساهمة القطاع الخاص ضئيلة في الناتج المحلي في حين تشكّل الإيرادات النفطية المصدر الأساسي للدخل. 

ينطلق الرئيس التنفيذي في شركة المركز المالي الكويتي مناف الهاجري الذي يعدّ من ضمن شخصيات اقتصادية شاركت في النقاشات مع الحكومة لوضع آليات للمعالجة، في تعليقه من تصوّر جرى تقديمه ويشمل 6 محاور يعتمد أبرزها على توقعات بأن يسجل الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي خسائر بنحو 4 مليارات دينار، وافتراض تسجيل تعثر في نحو 10 في المئة في محفظة القروض المصرفية، ليخلص إلى القول: "إن حجم الميزانية اللازمة لمعالجة تداعيات الأزمة الحالية يقدر بنحو 7.5 مليارات دينار"، مقترحاً توفير نحو 5 مليارات دينار للقطاع المصرفي والصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة بفائدة لا تتجاوز 1 و0.5 في المئة على التوالي لأجل 5 سنوات، على أن تستخدم هذه الأموال حصراً للقروض الجديدة.

مناف الهاجري: كورونا غيّر النمط الاستهلاكي 

وهناك فرصة تاريخية للإصلاح

وبخلاف الهاجري يرى الباحث الاقتصادي عبدالله السلوم أنه لا حاجة إلى مثل هذا الدعم مستنداً في وجهة نظره إلى هيكلية الاقتصاد الكويتي واختلافه عن الاقتصادات المجاورة، ذلك أن مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي في الكويت تعد ضئيلة، كما إن الصادرات لا تشكل ركيزة أساسية له، وذلك بالإضافة إلى أن شريحة واسعة من الموظفين في القطاع الخاص تعتمد على الدعم الحكومي للأجور، وكل ذلك في مقابل اعتماد كلي للاقتصاد المحلي على النفط كمصدر للإيرادات.  

    
 

تفضيل الإقراض من الأسواق الدولية 

هذه الصورة العامة حول وجهات النظر المختلفة من مسألة الدعم، لا يمكن فصلها عن حقيقة اتساع هوة العجز، فبعد أن كانت التقديرات تتراوح عند نحو 9 مليارات دينار (27 مليار دولار) في مشروع ميزانية العام المالي 2020/2021 على أساس سعر 55 دولاراً للبرميل، بات هذا الرقم في حدود 14 مليار دينار (45 مليار دولار) في ظل انهيار أسعار النفط وتفشي الفيروس. 

عصام الطواري: لا يمكن حرمان المالية من حق الاقتراض من الخارج 

وهنا نقاش آخر يُفتح حول سبل تمويل هذا العجز يدور بين اتجاهين الأول تأييد خيار الحكومة بإصدار مشروع قانون الدين العام المجمد، والثاني البحث في حلول بديلة كاللجوء إلى صندوق الأجيال القادمة. ويوضح المدير والشريك في شركة نيوبري للاستشارات عصام الطواري، وهو من مؤيدي الخيار الأول بالقول: "بغض النظر عن المبررات التي يجري سوقها، غير إنه من غير المنطقي تقييد السياسة المالية من خيار اللجوء إلى الأسواق الدولية"، مشيراً إلى أنه من الأهمية بمكان الإسراع بإقرار مشروع القانون، مستنداً في ذلك إلى اعتبارين: الأول، أن مرحلة ما قبل كورونا ليست كما بعدها لجهة ما قد تتطلبه من نفقات إضافية، أمّا الثاني، إن مشروع القانون نفسه مطروح على مجلس الأمة منذ العام الماضي، أي حين كانت أسعار النفط مستقرة ولم يكن كورونا قد طرق الأبواب. وهذا الطرح يثير نقاشاً إضافياً، إذ تطالب آراء عديدة بضرورة تقييد إنفاق عوائد أي إصدار في بنود الانفاق الاستثماري وليس الاستهلاكي، وهنا يعود الطواري إلى الإصدارات السابقة التي تمت في العام 2009، والتي لم تكن مشجعة لجهة البنود التي جرى فيها توظيف العوائد، مشدداً على أنها لا يفترض أن تذهب إلى سداد الرواتب بل الانفاق الرأسمالي. 

ويقدم الباحث في الشؤون الاقتصادية عبدالله السلوم وجهة نظر واضحة منطلقاً من ضرورة بين ارتفاع نسبة الدين العام من الناتج المحلي والبالغة حالياً نحو 18 في المئة وزيادة الإيرادات غير النفطية بنحو 5 في المئة من إجمالي الإيرادات سنوياً، وذلك عبر مشروع قانون مكمل لقانون الدين العام ويلزم بهذا التوجه، مشيراً إلى ان هذا الربط سينتج عنه تزامن في ارتفاع الدين العام مع نمو الناتج المحلي وذلك من خلال العمل على زيادة التصدير الصناعي والصادرات الأخرى. 

في المقابل، تتفق الآراء على أن الإقراض من الأسواق الدولية يعد مثالياً من حيث التوقيت، إذ يوضح الهاجري بأن أسعار الفوائد العالمية تعد في أدنى مستوياتها، إذ تبلغ الفائدة نحو 2.5 في المئة على مدى 7 سنوات، في حين أن الطواري يضيف إلى ذلك سبباً آخر يكمن في صعوبة تسييل أي أصول من صندوق الأجيال القادمة من دون أن يترتب عليها خسائر ما بين 20 و30 في المئة في ظل تراجع تقييم الأصول العالمية، مشيراً إلى أن الكويت باتت في مرحلة مالية حساسة ولا سيما أن الاحتياطي العام الذي لجأت الحكومة للسحب منه شارف على النفاذ. وتشير تقديرات سابقة إلى أن نحو 43.8 مليار دينار (140 مليار دولار) كانت سحبت خلال السنوات المالية الخمس حتى نهاية العام 2018/2019، فيما بلغت قيمة السحوبات خلال السنة المالية الحالية 2019/2020 نحو 3.7 مليارات دينار، ليتبقى في الصندوق نحو 14 مليار دينار (44.6 مليار دولار). 

 

 عبد الله السلوم: ربط إقرار قانون الدين بتعزيز الإيردات غير النفطية

العربة أم الحصان؟ 

في خضم التداعيات التي تركها فيروس كورونا، تركزت الجهود ومبادرات المؤسسات المالية والنقدية حول العالم في كيفية الحد من تداعياته ولم تكن الكويت استثناءً. غير إن تضخم فاتورة العجز فيها، أعاد تسليط الضوء على واقع الاختلال الهيكلي في الاقتصاد والناتج عن سياسات مالية ذهبت باتجاه التوسع في الانفاق الاستهلاكي على حساب الاستثماري، وباتت الرواتب والدعم يستحوذان على نحو 71 في المئة من النفقات كما في ميزانية السنة المالية 2020/2021.

وإذا كانت هذه الصورة على خطورتها هي محل إجماع، فإن وجهات النظر تصبح متباعدة حول الحلول وسبل العلاج، ما بين من يذهب إلى القول إن الوقت غير ملائم للحديث عن إصلاح في ظل تفشي تداعيات كورونا، وبين من يعتبرها فرصة ذهبية يجب استغلالها، وهو الرأي الذي يعبر عنه الهاجري الذي ينطلق من القاعدة القائلة إن من تندلع النيران في ركن منزله لا يمكنه بناء طابق ثانٍ ليبرر وجهة نظره، إذ يرى أن التداعيات التي تركها فيروس كورونا أحدثت تغييراً جذرياً في نمط التفكير الاستهلاكي، وبالتالي أصبح هناك رضا وقناعة برواتب ومزايا حكومية أقل، داعياً للاستفادة من هذه اللحظة التاريخية لإجراء إصلاح جذري على المستويات كافة. 

ويتفق الطواري مع الهاجري على أن التوقيت مناسب من الناحية النظرية لإطلاق عملية الإصلاح الاقتصادي ولكن يختلف معه في توقيت البدء بهذه الورشة، مشيراً إلى أنه من غير الصواب أن تكون الموافقة على قانون الدين العام مشروطة ببدء الإصلاح الاقتصادي، ولا سيما أن الأولوية في هذه المرحلة هي لتوفير الاعتمادات المالية المطلوبة والوفاء بالالتزامات المالية للدولية، خصوصاً مع ارتفاع قيمة المصاريف. وعلى هذا الأساس يقترح الطواري إقرار قانون الدين سريعاً، ومن ثم فتح الباب واسعاً أمام نقاش حيوي موضوعي على الإصلاحات الهيكلية المطلوبة وقد يطول أمده وقد يطول أمد حصد النتائج.   

 

حلول ومقترحات 

وبالإضافة إلى المحور الأساسي الذي اقترحه، يطالب الهاجري بضرورة إقرار مشروع قانون الإفلاس، ولا سيما إذا تعرضت شركات للإفلاس في ظل الظروف السائدة، محذراً من أن عدم إقرار هذا القانون سيعيد سيناريو المرحلة التي سادت في العام 2008 إبان الأزمة المالية، عندما سجلت الكويت حالات تعثر في شركات استثمارية عدة، ودفع فيها صغار المستثمرين ضريبة الإفلاس تلك، حيث استفاد التنفيذيون من قدرات تلك الشركات على حساب المساهمين ولا سيما صغار المساهمين. ويذهب إلى القول إن هذه المطالبة هي من بين محاور عدة جرى رفعها للحكومة. ويرى أن إقرار هذا القانون يجب أن يترافق مع تفعيل صندوق المسرحين عبر اقتطاع جزء من المحفظة المذكورة في المحور الأول، وذلك ليغطي المُسرّحين المحتملين من شركات القطاع الخاص.