الصندوق السعودي للتنمية: خمسة عقود من بناء الشراكات وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية
الصندوق السعودي للتنمية: خمسة عقود من بناء الشراكات وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية
-
الاقتصاد والأعمال
وقّع الصندوق السعودي للتنمية خلال عام 2025 اتفاقيات لتقديم 13 قرضاً تنموياً بقيمة 1.77 مليار ريال (نحو 471 مليون دولار)، لتمويل مشاريع في 11 دولة نامية، مواصلاً بذلك توسيع دوره باعتباره إحدى أبرز أدوات المملكة في دعم التنمية الدولية وتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع دول العالم.
وينظوي هذا النشاط على أبعاد أوسع عند النظر إلى المسيرة التي قطعها الصندوق على مدى خمسة عقود، وما راكمه خلالها من خبرات تنموية وعلاقات مؤسسية جعلت منه أداة فاعلة للدبلوماسية الاقتصادية السعودية.
وبحسب التقرير السنوي لعام 2025، بلغ إجمالي القروض التنموية التي قدمها الصندوق منذ تأسيسه 808 قروض، شملت 101 دولة، بمخصصات مالية تجاوزت 83.2 مليار ريال (نحو 22.2 مليار دولار). وتعكس هذه الأرقام توسع حضوره الدولي وتنوع البيئات الاقتصادية والاجتماعية التي يعمل فيها، من أفريقيا وآسيا إلى أوروبا وأميركا اللاتينية والكاريبي.
خبرة تنموية تتراكم عبر العقود
تأسس الصندوق عام 1974، وبدأ نشاطه عام 1975، ليصبح تدريجياً إحدى المؤسسات السعودية الأكثر حضوراً في تمويل التنمية الدولية. وخلال هذه المسيرة، راكم خبرة عملية ثمينة في التعامل مع احتياجات الدول النامية، وتحديد أولوياتها، وتمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية، ومتابعة تنفيذها بالتعاون مع الحكومات والمؤسسات المعنية.
وتشكل هذه الخبرة أحد أهم عناصر القوة التي اكتسبها الصندوق. فالعمل في أكثر من 100 دولة، تختلف في مستويات الدخل والقدرات المؤسسية والموارد الطبيعية والتحديات الاقتصادية، يوفر معرفة واسعة بطبيعة التنمية ومتطلبات نجاح المشاريع. كما يتيح الاستفادة من التجارب المتراكمة في اختيار المشاريع وتصميمها وتمويلها، والتعامل مع التحديات التي تواجه تنفيذها واستدامتها.
وهكذا، أصبح رصيد الصندوق يتضمن معرفة تنموية وشبكة علاقات مؤسسية تمتد عبر قارات العالم، إضافة إلى موارده المالية. وتمنحه هذه المقومات قدرة على تطوير شراكات تتلاءم مع احتياجات كل دولة، والاستفادة من تجاربه السابقة لتحسين فعالية التمويل وأثره الاقتصادي والاجتماعي.

التمويل الميسر وتعظيم العائد التنموي
تستند فعالية الصندوق إلى طبيعة التمويل الذي يقدمه، وخصوصاً القروض التنموية الميسرة التي تتميز بشروط مالية تفضيلية مقارنة بالاقتراض التجاري، وتتيح للدول المستفيدة تنفيذ مشاريع تحتاج إلى آجال طويلة لتحقيق عوائدها.
وتكتسب هذه الميزة قيمة خاصة في الدول الأقل دخلاً، حيث تشكل كلفة التمويل وارتفاع أعباء الدين عائقاً أمام الاستثمار في البنية التحتية والمرافق العامة.
وتوفر القروض الميسرة التي يقدمها الصندوق مزايا مهمة للدول المستفيدة، من خلال انخفاض كلفة التمويل وطول فترات السداد، ما يخفف الأعباء على موازناتها ويساعدها على توجيه المزيد من مواردها نحو التنمية والخدمات العامة. وإلى جانب هذه القروض، يتولى الصندوق إدارة برامج منح تقدمها الحكومة السعودية لتمويل مشاريع تنموية في الدول المستفيدة.
ويتميز نهج الصندوق بالتركيز على الأولويات التنموية للدول المستفيدة، بعيداً عن اشتراط برامج واسعة لتغيير سياساتها الاقتصادية. وتبقى القروض خاضعة لمتطلبات الجدوى والتنفيذ والسداد، بما يدعم الاستخدام الفعال للموارد.

الدبلوماسية الاقتصادية وبناء الثقة
يمثل هذا النهج ركيزة للدبلوماسية الاقتصادية السعودية. فتمويل مشروع للكهرباء أو المياه أو النقل أو التعليم يفتح مجالاً لعلاقة مؤسسية طويلة الأمد مع الدولة المستفيدة، تقوم على التعاون العملي والمصالح المشتركة.
وتكتسب هذه العلاقات عمقاً إضافياً مع استمرار المشاريع وتوسع التعاون إلى قطاعات جديدة. كما يسهم نجاحها في ترسيخ صورة المملكة شريكاً تنموياً موثوقاً، وتعزيز حضورها الاقتصادي وعلاقاتها الدولية.
وقد شهد عام 2025 دخول ثلاث دول جديدة إلى نشاط الصندوق الإقراضي، هي سورينام وجزر سليمان وباربادوس، في مؤشر إلى استمرار التوسع الجغرافي وبناء شراكات خارج مناطق النشاط التقليدية.
من التمويل المباشر إلى تعبئة الشراكات
تُظهر نتائج عام 2025 تطوراً آخر في أسلوب عمل الصندوق، يتمثل في توسيع التمويل المشترك مع المؤسسات الإنمائية الدولية.
فقد ساهم بنحو 1.315 مليار ريال في تمويل تسعة مشاريع مشتركة بلغت تكلفتها الإجمالية نحو 4.97 مليارات ريال، بالتعاون مع مؤسسات منها البنك الإسلامي للتنمية وصندوق أوبك للتنمية الدولية وبنك التنمية الآسيوي.

وتعني هذه الأرقام أن مساهمة الصندوق شكلت نحو 26.5 في المئة من التكلفة الإجمالية للمشاريع المشتركة، ما يوضح قدرته على المشاركة في تعبئة موارد تفوق تمويله المباشر بنحو 3.8 مرات.
كما تتيح هذه الشراكات تبادل الخبرات وتوزيع المخاطر وتمويل مشاريع أكبر وأكثر تعقيداً، مع فتح فرص أمام الشركات السعودية للمشاركة في تنفيذ المشاريع التنموية الدولية.
وبعد خمسة عقود من العمل، يمتلك الصندوق السعودي للتنمية مقومات تؤهله لتوسيع دوره خلال المرحلة المقبلة، بالاستناد إلى موارده المالية وخبرته المؤسسية وعلاقاته الدولية. وتكمن قوته المتنامية في قدرته على توظيف هذه المقومات لتعظيم الأثر التنموي لتمويله، وتعزيز الشراكات الاقتصادية طويلة الأمد، وترسيخ حضور المملكة في التنمية الدولية.

