شرباتي يعود إلى سوريا... ثقل صناعي عالمي قد يغيّر مسار التعافي
شرباتي يعود إلى سوريا... ثقل صناعي عالمي قد يغيّر مسار التعافي
-
كتب فيصل أبوزكي
بدأ رجل الأعمال السوري محمد صباغ شرباتي مسار العودة إلى الاستثمار في سوريا، في خطوة تحمل دلالات اقتصادية ورمزية كبيرة لبلد يسعى إلى استعادة قدراته الإنتاجية وتسريع التعافي. فقد بحث مع رئيس هيئة الاستثمار السورية أحمد رواد رمضان، في دمشق يوم 16 أكتوبر/تشرين الأول، خططه الاستثمارية المقبلة في عدد من القطاعات، واستكمال التراخيص والإجازات المطلوبة، ومعالجة العقبات التي تواجه المشاريع المطروحة تمهيداً لتنفيذها. وتأتي هذه الخطوة بعد لقائه الرئيس أحمد الشرع في أبريل/نيسان الماضي لبحث تطوير صناعة النسيج، وتأسيس شركة "ماريا" للصناعات الدوائية والطبية في حلب خلال فبراير/شباط 2026.
وتحمل عودة شرباتي رسالة قوية إلى مجتمع الأعمال السوري. ويعود أحد أبرز الصناعيين الذين بنوا مجموعات إنتاجية كبيرة في الخارج للاستثمار في بلاده، في خطوة قد تشجع آخرين على سلوك المسار نفسه، وتساهم في إطلاق حركة صناعية جديدة تدعم التعافي الاقتصادي.

من حلب إلى مجموعة صناعية عالمية
يُعد محمد صباغ شرباتي من كبار الصناعيين السوريين ومن أبرز الأسماء في صناعة النسيج إقليمياً. بدأت مجموعته نشاطها في حلب عام 1978، وتوسعت في صناعة الأقمشة والمنسوجات، خصوصاً أقمشة الدنيم المستخدمة في صناعة الجينز. وشغل رئاسة غرفة صناعة حلب، وكان من الشخصيات المؤثرة في القطاع الصناعي السوري قبل الحرب.
وبدأ توسع المجموعة خارج سوريا قبل اندلاع الحرب، من خلال استثمارات في مصر تحولت إلى قاعدة صناعية ضخمة في مدينة السادات، إلى جانب أنشطتها في تركيا. وأصبحت مصر مركزاً رئيسياً لأعمال المجموعة، التي واصلت تطوير مصانعها ومنتجاتها وشبكاتها التجارية.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمجموعة أكثر من 140 مليون متر من الأقمشة سنوياً، ويعمل لديها نحو 5,000 موظف. وتمتلك مكاتب مبيعات في أوروبا والولايات المتحدة وشمال أفريقيا، ومرافق للتخزين والتوزيع في أسواق متعددة، ما يضعها بين أبرز المجموعات الصناعية المتكاملة في قطاع المنسوجات بالمنطقة.
وامتدت استثمارات شرباتي في مصر إلى قطاع مواد البناء، من خلال الشركة الحديثة للمنتجات الخرسانية والأسمنتية، التي تأسست عام 2009 في مدينة السادات، وتعمل في صناعة المنتجات الخرسانية والمباني مسبقة الصنع. وأصبح شرباتي بذلك يقود أنشطة صناعية متعددة، تشمل المنسوجات ومواد البناء، مستفيداً من خبرات مجموعته في إدارة المشاريع الصناعية الكبيرة وتطوير قدراتها الإنتاجية.

غير أن التحول الأكبر في تجربة شرباتي يرتبط بطبيعة الصناعة التي أصبح يقودها. فقد توسعت مجموعته خلال عقود شهدت ثورة في تقنيات التصنيع والأتمتة والرقمنة، وتطور إدارة العمليات الصناعية وسلاسل الإمداد، واشتداد المنافسة على الجودة والإنتاجية والكلفة. وواكبت المجموعة هذه التحولات عبر التحديث المستمر لمصانعها وتطوير منتجاتها وأساليب الإنتاج، وبناء منظومة تجارية ترتبط بأسواق وموردين وعملاء دوليين.
فالرجل الذي انطلق صناعياً من حلب قبل نحو نصف قرن، أصبح يقود مجموعة ذات خبرة عالمية، تعمل في بيئة صناعية تختلف جذرياً عن تلك التي عرفتها سوريا في الثمانينات والتسعينات. وقد أصبحت تجربته أكبر بكثير من السوق السورية، بعدما اندمجت مجموعته في شبكات الإنتاج والتجارة الدولية. وهو يعود اليوم بقدرات صناعية وإدارية وتجارية تطورت إلى مستوى جديد، يمكن أن تسهم في إحداث تحول نوعي في الصناعة السورية.

صناعة جديدة بخبرات عالمية
تفتح عودة شرباتي فرصة لإعادة النظر في نموذج التصنيع السوري بعد سنوات الحرب. فقد خسرت البلاد جانباً كبيراً من مصانعها ومعداتها وأسواقها، وتضررت حلب التي كانت مركزاً رئيسياً لصناعة النسيج. لكن إعادة بناء هذه القاعدة تجري في عالم صناعي تغير بصورة عميقة، وأصبحت فيه التكنولوجيا عاملاً حاسماً في خفض التكاليف ورفع الإنتاجية وتحسين الجودة.
فالتقنيات الحديثة تدخل اليوم في مختلف مراحل العملية الصناعية، من تصميم المنتجات وتخطيط الإنتاج وإدارة المخزون إلى تشغيل المعدات ومراقبة الجودة وترشيد استهلاك الطاقة والمواد الأولية. وتتيح الأنظمة الرقمية إدارة أكثر دقة للمشتريات والعمليات اللوجستية، وتقليص الهدر وتكاليف التشغيل، والاستجابة السريعة لتغيرات الطلب.
ويمكن لاستثمارات شرباتي أن تساهم في نقل هذه الأساليب إلى سوريا، مستفيدة من خبرة مجموعته في إدارة المصانع الكبيرة، وتنظيم العمليات الإنتاجية وتدريب الكوادر. والأهم أن شبكة المجموعة الخارجية توفر فرصة لربط المصانع السورية بسلاسل القيمة العالمية، من خلال الحصول على مدخلات الإنتاج والتكنولوجيا، والتصنيع وفق مواصفات الأسواق الدولية، والوصول إلى شبكات التوزيع والتصدير القائمة.
وفي صناعة النسيج، يمكن أن يساعد هذا النموذج على إعادة تنشيط سلسلة متكاملة تشمل الغزل والنسيج والصباغة وصناعة الألبسة والتصدير، بما يعزز القيمة المضافة المحلية. ويمتد الأثر المحتمل إلى قطاعات أخرى، مستفيداً من خبرة شرباتي في صناعة المنتجات الخرسانية والمباني مسبقة الصنع في مصر، وهي صناعات ترتبط مباشرة باحتياجات إعادة الإعمار، إلى جانب دخوله مجال الصناعات الدوائية والطبية في حلب.
وهكذا، تتيح عودة مجموعة ذات تجربة عالمية اختصار مراحل من التطور الصناعي، وتسريع بناء منشآت إنتاجية حديثة تستطيع المنافسة إقليمياً ودولياً.

عودة تحرك رؤوس أموال أخرى
يحمل توجه شرباتي رسالة مؤثرة إلى مجتمع الأعمال السوري في الخارج. فقرارات كبار المستثمرين تؤثر في توقعات الآخرين، خصوصاً عندما تصدر عن صناعي يمتلك تجربة دولية ناجحة ومعرفة عميقة بالسوق السورية. وقد تشجع خطواته رجال أعمال آخرين على إعادة توجيه جزء من استثماراتهم إلى البلاد، مستفيدين من الفرص التي تتيحها مرحلة إعادة البناء.
وتملك سوريا رصيداً واسعاً من الصناعيين الذين توسعت أعمالهم في مصر وتركيا والخليج وأوروبا، وتحولت بعض مؤسساتهم إلى مجموعات كبيرة تمتلك قدرات إنتاجية وشبكات تجارية دولية. ويمكن أن تؤدي عودة جزء من هذه القوة الاقتصادية إلى إطلاق حركة استثمارية تشمل صناعات متعددة، وتحفز الموردين والمقاولين وشركات الخدمات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة على التوسع.
كما أن استقطاب مجموعات صناعية كبيرة يمكن أن يسرع معالجة التحديات التشغيلية والتنظيمية. فالمشاريع الجديدة تخلق طلباً فعلياً على الكهرباء والنقل والتمويل والخدمات اللوجستية والعمالة الماهرة، وتدفع نحو تطوير البنية التحتية وتحسين بيئة الأعمال. وفي هذا السياق، يمكن لتجربة شرباتي أن تشكل نموذجاً عملياً للتعاون بين الدولة والمستثمرين في تحويل الفرص المتاحة إلى مشاريع إنتاجية.
القطاع الخاص قاطرة التعافي
تقدم عودة شرباتي نموذجاً للدور الذي يستطيع القطاع الخاص السوري أن يؤديه في النهوض الاقتصادي. فحجم الاحتياجات والاستثمارات المطلوبة يستدعي تعبئة رؤوس الأموال والخبرات والقدرات التنفيذية المتاحة داخل البلاد وخارجها. ويملك الصناعيون السوريون الذين نجحوا في الأسواق الدولية إمكانات تساعد على تسريع إعادة التصنيع وتطوير قاعدة إنتاجية حديثة، مع ما يرافق ذلك من فرص عمل وصادرات ونشاط اقتصادي.
وتحمل بداية عودة شرباتي دلالة خاصة من مكانته الصناعية وقدرته على التأثير في قرارات المستثمرين الآخرين.
فقد أصبح أحد أبرز صناعيي سوريا يقود مجموعة ذات حضور عالمي، ويعود اليوم للمساهمة في بناء اقتصاد بلاده بخبرات وإمكانات أكبر بكثير من تلك التي انطلق بها من حلب. ويمكن أن تتحول مبادرته إلى قاطرة لحركة استثمارية أوسع، تستعيد جزءاً من القوة الاقتصادية السورية المنتشرة في الخارج وتوظفها في إعادة بناء الصناعة.
وهذا أحد أقوى أسلحة التعافي السوري، حيث يبادر القطاع الخاص ويستثمر ويبني طاقات إنتاجية جديدة ويخلق فرص العمل، ويتحول إلى المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، فيما تتولى الدولة التشريع والتنظيم وتهيئة البيئة والظروف الملائمة للاستثمار والإنتاج والنمو.
الأكثر قراءة
-
المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية.. من نمو العدد إلى رفع الإنتاجية وتكبير الشركات
-
"الدوحة للاستثمار"... الشركات والشراكات في قلب النمو القطري
-
قطر توسع أدواتها الاستثمارية بين الأسواق العالمية والاقتصاد المحلي
-
أديس تضاعف رأس المال لمواكبة نمو أعمالها
-
"التنمية" تختبر بوابة ماليزيا إلى سوق البروتين الحلال الآسيوية

