محمد القرقاوي... رجل استثنائي في مشروع استثنائي
محمد القرقاوي... رجل استثنائي في مشروع استثنائي
-
فيصل أبوزكي
حين وصف الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم محمد عبدالله القرقاوي بأنه أحد "رفقاء المسيرة"، خلال منحه "وشاح محمد بن راشد" في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026، كان يختصر ثلاثة عقود من العلاقة التي جمعت صاحب رؤية قيادية طموحة بإحدى الشخصيات التي اضطلعت بدور رئيسي في تحويل هذه الرؤية إلى مؤسسات ومشاريع وفرق عمل.
فقد رافق القرقاوي مراحل أساسية من التحول الاقتصادي والحكومي في دبي والإمارات، وأسهم في بناء منظومة تنفيذية تقوم على تطوير المشاريع، وتأسيس المؤسسات، واكتشاف الكفاءات وإعدادها لتحمل المسؤوليات. واستمدت هذه التجربة مقوماتها من فلسفة محمد بن راشد في القيادة، القائمة على الطموح وسرعة الإنجاز وتمكين المسؤولين من اتخاذ القرارات وتحمل نتائجها.
وكان القرقاوي من الشخصيات التي ترجمت هذه الفلسفة إلى أسلوب عمل مؤسسي يعتمد على فرق صغيرة ومرنة تطلق المشاريع، وتؤسس الكيانات التي تتولى إدارتها، وتعدّ القيادات القادرة على تطويرها.
مكتب صغير لإطلاق مشاريع كبيرة
يقدم المكتب التنفيذي في دبي، الذي تأسس عام 2000 برئاسة القرقاوي، مدخلاً لفهم شخصيته المهنية. فقد بدأ بنحو خمسة أشخاص، وكُلف بتطوير الأفكار والمشاريع التي تعكس توجهات محمد بن راشد، مع قدر كبير من المرونة وسرعة الحركة.
وفي مقال كتبه بمناسبة مرور 25 عاماً على تأسيس المكتب، شرح القرقاوي كيف تحول هذا الفريق الصغير إلى منصة لإطلاق مشاريع أصبحت ركائز في اقتصاد دبي وإدارتها الحكومية، ومنها مدينة دبي للإنترنت ومدينة دبي للإعلام ومركز دبي المالي العالمي ودبي القابضة.
وقد شكّل المكتب أداة لتطوير الأفكار وتجميع الكفاءات وتنسيق الجهود لإطلاق المشاريع، ثم إسناد إدارتها إلى مؤسسات متخصصة. وحافظ على طبيعته المرنة، بينما انتقل كثير من العاملين فيه إلى قيادة مؤسسات ومشاريع مستقلة، واستمر في استقطاب كفاءات جديدة.
وتطلب العمل في بيئة محمد بن راشد الاستجابة لأهداف طموحة ومهل تنفيذ قصيرة. ويروي القرقاوي أن فريقه كان يعمل عام 2001 على خطة للتحول إلى الحكومة الإلكترونية خلال ثلاث سنوات، عندما طلب محمد بن راشد اختصار المدة إلى عام واحد. وتكشف الواقعة عن منهج يدفع الفرق إلى تطوير قدراتها وأساليب عملها لمواكبة الطموحات المتزايدة.

منظومة لإنتاج القيادات
تحوّل المكتب التنفيذي أيضاً إلى بيئة لإعداد قيادات تولت لاحقاً مواقع مسؤولية في حكومة دبي والحكومة الاتحادية والمؤسسات الاقتصادية.
فالمشاريع الجديدة أتاحت للكفاءات الشابة فرصاً للعمل المباشر على ملفات استراتيجية، والتعامل مع تحديات فعلية، وتحمل مسؤوليات تتسع مع تطور المشروع. وتعكس هذه المقاربة نهج محمد بن راشد في اكتشاف الكفاءات من خلال العمل، ومنحها الفرصة لإثبات قدراتها وتمكينها من قيادة المؤسسات.
ومع تأسيس مركز محمد بن راشد لإعداد القادة عام 2003، اكتسب هذا التوجه إطاراً مؤسسياً أوسع عبر برامج لتطوير المهارات القيادية والإدارية. وبحسب بيانات رسمية صدرت في حزيران/يونيو 2025، استفاد من برامج المركز أكثر من ألف قيادي ومنتسب، بينهم تسعة وزراء وعشرة وكلاء وزارات و15 مديراً عاماً و99 مديراً تنفيذياً.
وتكشف العلاقة بين المكتب التنفيذي ومركز إعداد القادة عن منظومة تجمع بين التأهيل من خلال العمل المباشر والتطوير القيادي المنظم. ومع انتقال الكفاءات إلى مواقع المسؤولية في حكومة دبي والحكومة الاتحادية والمؤسسات الاقتصادية، اتسع أثر التجربة وتعززت قدرتها على إعداد قيادات جديدة.
بناء منظومات اقتصادية وحكومية
تظهر نتائج هذا النهج في المشاريع الاقتصادية التي ارتبط بها القرقاوي. فقد ساهمت المدن الاقتصادية المتخصصة في دبي في إنشاء بيئات أعمال جذبت شركات التكنولوجيا والإعلام والخدمات المتقدمة، من خلال توفير البنية التحتية والتسهيلات التنظيمية والخدمات اللازمة لتطوير قطاعات جديدة وتعزيز التنويع الاقتصادي.
أما دبي القابضة، التي تأسست عام 2004 برئاسة القرقاوي، فقد جمعت مشاريع واستثمارات كبيرة ضمن مجموعة متعددة الأنشطة، توسعت في العقارات والسياحة والاتصالات والإعلام وغيرها من القطاعات. وعندما غادر رئاستها عام 2017، بلغت أصولها نحو 130 مليار درهم، وفق سيرته الرسمية.
وتبرز في هذه التجربة قدرة القرقاوي على توظيف أدوات الاستثمار والإدارة في تطوير الأسواق والقطاعات الاقتصادية الجديدة، وهي خبرة اتسع نطاقها مع توليه منصب وزير شؤون مجلس الوزراء عام 2006، بالتزامن مع تولي محمد بن راشد رئاسة الحكومة الاتحادية.
وقد انتقل جانب من تجربته في تطوير المؤسسات وقياس الأداء إلى العمل على التخطيط الحكومي وتنسيق تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية، مستفيداً من خبرته في العمل عند تقاطع الاقتصاد والحكومة.
وتظهر استمرارية هذا الدور في المؤسسات والمبادرات التي أشرف عليها لاحقاً، ومنها مؤسسة دبي للمستقبل والقمة العالمية للحكومات، وصولاً إلى تكليفه عام 2026 برئاسة اللجنة الوطنية لمشروع الذكاء الاصطناعي المساعد. فقد تغيرت مجالات العمل، بينما بقي تطوير قدرات المؤسسات واستعدادها للتحولات الجديدة محوراً متصلاً في تجربته.
الثقة التي صنعت الاستمرارية
تحتل الثقة موقعاً مركزياً في تفسير العلاقة بين القرقاوي ومحمد بن راشد. فقد أتاحت له العمل على مشاريع استراتيجية وتولي مسؤوليات متداخلة في الاقتصاد والحكومة، وعززتها معرفة عميقة بأولويات القيادة وأسلوب عملها، وخبرة متراكمة في تحويل التوجهات إلى برامج تنفيذية.

وقد اقترنت هذه الثقة بقدرة القرقاوي على مواكبة التحولات وتوظيف خبرته في مجالات جديدة، ما أتاح له المحافظة على دور مؤثر مع تغير أولويات التنمية وتطور المؤسسات وأدوات الإدارة.
ووصف محمد بن راشد المكتب التنفيذي، خلال الاحتفال بمرور 25 عاماً على تأسيسه، بأنه "مصنع للأفكار" و"مسرّع للتغيير" وذراع تنفيذية لرؤيته في صناعة المستقبل. وهي أوصاف تختصر طبيعة المنظومة التي تولى القرقاوي قيادتها وموقعها في تطور دبي.
وجاء منحه "وشاح محمد بن راشد" بعد أشهر من تكريمه بـ"وسام الاتحاد" من رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في شباط/فبراير 2026، تقديراً لإسهاماته في تطوير العمل الحكومي. ويعكس التكريمان اعترافاً بمسيرة طويلة وبدوره في تطوير المؤسسات وإعداد الكفاءات الوطنية.
القرقاوي شخصية استثنائية ساهمت، على مدى ثلاثة عقود، في صناعة واحدة من أكثر التجارب الاقتصادية والحكومية تميزاً في المنطقة. رجل استثنائي في مشروع استثنائي، يعمل إلى جانب قائد استثنائي هو محمد بن راشد. وما زال دوره مستمراً في رسم وتنفيذ استراتيجيات تستهدف نقل دبي إلى مرحلة جديدة من التنوع الاقتصادي والحضور العالمي في مواجهة التحديات والتحولات العميقة التي تشهدها المنطقة والعالم. إنها مسيرة متواصلة في مشروع يراهن على المستقبل، ويعمل باستمرار على توسيع آفاقه.
الأكثر قراءة
-
الربط السككي بين طرابلس وحمص يفتح باب التكامل اللوجستي بين لبنان وسوريا
-
السعودية والصين في 2026...شراكة تتجاوز النفط والتجارة إلى بناء مصالح أوسع
-
نادك تستحوذ بالكامل على "الراعي" وتعزز توسعها في البروتين
-
قطر توسع أدواتها الاستثمارية بين الأسواق العالمية والاقتصاد المحلي
-
أديس تضاعف رأس المال لمواكبة نمو أعمالها

