الشراكة السعودية السورية تتوسع في قطاع الطاقة
الشراكة السعودية السورية تتوسع في قطاع الطاقة
-
الاقتصاد والأعمال
تتجه العلاقة السورية السعودية في قطاع الطاقة نحو تعاون أوسع، مع انتقال بعض الاتفاقيات إلى التنفيذ وتوقيع عقود استثمارية طويلة الأمد في الكهرباء، بالتوازي مع ظهور فرص تشمل إنتاج النفط والغاز وتأهيل المصافي وشبكات النقل والتخزين.
ويجيء هذا التوجه في وقت تسعى فيه سوريا إلى معالجة النقص الحاد في إمدادات الطاقة وإعادة تأهيل منشآتها، فيما تملك الشركات السعودية خبرات وقدرات فنية واستثمارية تؤهلها للمشاركة في تطوير القطاع. وتفتح هذه التطورات المجال أمام شراكة اقتصادية تربط بين احتياجات سوريا لإعادة تشغيل اقتصادها وتوسع الشركات السعودية في الأسواق الإقليمية.
وقد أعادت المباحثات الأخيرة بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض تسليط الضوء على فرص التعاون والاستثمار، في ظل سلسلة من الاتفاقيات التي بدأت بمذكرات تفاهم في أغسطس/آب من عام 2025، وتطورت إلى عقود لخدمات النفط والغاز ومشاريع توليد الكهرباء.
الغاز في مقدمة الأولويات
تظهر أرقام قطاع الغاز حجم الاحتياجات السورية. فبحسب وزير الطاقة السوري محمد البشير، يبلغ الإنتاج المحلي نحو 8 ملايين متر مكعب يومياً، مقابل احتياجات تقدر بنحو 24 مليون متر مكعب. وتعكس هذه الفجوة الحاجة إلى رفع الإنتاج وتأهيل الحقول القائمة وتطوير حقول جديدة، خصوصاً أن الغاز يشكل مصدراً رئيسياً لتشغيل محطات الكهرباء.
وفي ديسمبر/كانون الأول من عام 2025، وقعت الشركة السورية للبترول أربع اتفاقيات مع شركات سعودية متخصصة، هي "أديس" و"طاقة" و"الشركة العربية للجيوفيزياء والمساحة" و"الحفر العربية"، شملت تطوير الحقول وخدمات الحفر وصيانة الآبار والمسوح الجيولوجية والجيوفيزيائية.
وتقدمت العلاقة خطوة عملية في أبريل/نيسان من عام 2026، عندما وقعت الشركة السورية للبترول عقداً تنفيذياً مع "أديس" لتطوير عدد من حقول الغاز في المنطقة الوسطى بمحافظة حمص، قبل أن تبدأ المرحلة التنفيذية في يوليو/تموز بتسليم مواقع العمل.
ويستهدف المشروع زيادة إنتاج الحقول المشمولة بنسبة 25 في المئة خلال الأشهر الستة الأولى، وصولاً إلى زيادة تبلغ 50 في المئة بحلول منتصف عام 2027، ليرتفع إنتاجها إلى نحو 4 ملايين متر مكعب يومياً، مع نقل التقنيات وتدريب الكوادر السورية.
وتتجاوز أهمية المشروع الكميات الإضافية من الغاز إلى تأثيرها على توليد الكهرباء واستقرار الإمدادات وخفض كلفة الطاقة على المنشآت الصناعية، بما يساعد على استعادة النشاط الإنتاجي.

الكهرباء توسع نطاق الشراكة
امتد التعاون إلى الكهرباء مع توقيع الشركة السورية للكهرباء ثلاث اتفاقيات لشراء الطاقة مع شركة محمد أحمد الحرفي السعودية في أغسطس/آب من عام 2026، لتطوير ثلاثة مشاريع للطاقة الشمسية في منطقة وديان الربيع بريف دمشق، باستطاعة إجمالية تبلغ 760 ميغاواط، مدعومة بأنظمة تخزين بالبطاريات بسعة 1077 ميغاواط ساعة.
وتتراوح مدة عقود شراء الكهرباء بين 20 و25 عاماً، مع أسعار معلنة تبدأ من 3 سنتات أميركية للكيلوواط ساعة. وتوضح هذه الاتفاقيات اختلاف النموذج الاستثماري في الكهرباء عن عقود الخدمات النفطية، إذ تقوم العلاقة على تطوير مشاريع إنتاجية وبيع الكهرباء بموجب تعاقدات طويلة الأمد.
كما امتد التعاون مع الشركات السعودية إلى البنية التحتية المرتبطة بالطاقة والمياه، بعد توقيع اتفاقية خدمات فنية في أغسطس/آب مع "أكوا باور" وشركة نقل المياه الوطنية السعودية لإعداد دراسات مشروع متكامل لمصادر المياه والتحلية ونقلها.
المصافي والبنية التحتية... فرص إضافية
تشمل فرص التعاون المطروحة تأهيل المصافي وتطوير شبكات نقل النفط والغاز والتخزين. وبحسب بيانات أعلنها وزير الطاقة السوري في سبتمبر/أيلول الماضي، يبلغ إنتاج النفط المحلي نحو 112 ألف برميل يومياً، فيما تصل القدرة التكريرية إلى نحو 150 ألف برميل يومياً، بالتوازي مع واردات من المشتقات النفطية تعادل نحو 150 ألف برميل يومياً.
وتعمل سوريا على تطوير مصفاتي حمص وبانياس، مع استهداف رفع قدرة الأخيرة من نحو 80 ألفاً إلى 130 ألف برميل يومياً، إلى جانب خطط للتوسع في التكرير والبتروكيماويات.
وتوفر هذه الاحتياجات فرصاً لشركات الهندسة والتجهيزات والخدمات النفطية، إضافة إلى استثمارات محتملة في التكرير والتخزين. وتظل المشاركة السعودية في هذه المجالات ضمن الفرص المطروحة، فيما تتركز العقود المعلنة حتى الآن على خدمات الحقول ومشاريع الكهرباء.

سوريا وممرات الطاقة الإقليمية
يحمل الموقع الجغرافي لسوريا بعداً إضافياً لقطاع الطاقة، خصوصاً مع تجدد الاهتمام بخطوط نقل النفط والغاز. فقد وقعت دمشق في يوليو/تموز من عام 2026 مذكرتي تفاهم مع العراق وائتلاف شركات دولية لإحياء خط حديثة-بانياس، المرتبط تاريخياً بمسار كركوك–بانياس.
ويمكن أن يعزز المشروع، في حال تنفيذه، دور سوريا في نقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط، مع إمكان دراسة مسارات ربط مستقبلية مع السعودية عبر العراق أو الأردن. وتبقى هذه الخيارات مرتبطة بجدواها الاقتصادية والفنية والاتفاقات الإقليمية المطلوبة، من دون وجود مشاركة سعودية معلنة في مشروع الخط الحالي.
المصالح الاقتصادية المشتركة
توفر السوق السورية مجالاً لتوسع الشركات السعودية المتخصصة في الحفر والخدمات النفطية وتوليد الكهرباء والبنية التحتية. وفي المقابل، تتيح الخبرات ورؤوس الأموال السعودية لسوريا تسريع تطوير قطاع يحتاج إلى استثمارات واسعة بعد سنوات من تراجع الإنتاج وتضرر المنشآت.
ويظهر تنوع العقود الموقعة مسارين متكاملين، أحدهما يركز على رفع كفاءة المنشآت القائمة وزيادة الإنتاج، والآخر يتيح استثمارات طويلة الأجل في قدرات توليد جديدة. ومع تطور المشاريع الحالية واتساع فرص الاستثمار، يمكن أن تصبح الطاقة أحد المحركات الرئيسية للعلاقة الاقتصادية السورية السعودية.

