خط الغاز العربي يعود إلى الواجهة... سوريا تستكمل حلقة أساسية في ممر إقليمي للطاقة

  • 2026-10-06
  • 15:46

خط الغاز العربي يعود إلى الواجهة... سوريا تستكمل حلقة أساسية في ممر إقليمي للطاقة

  • الاقتصاد والأعمال

تضيف الأعمال الجديدة خطاً بطول 186 كيلومتراً إلى نحو 380 كيلومتراً من الخطوط القائمة، ليصل طول الشبكة السورية المرتبطة بالمشروع إلى نحو 566 كيلومتراً. ووصفت الشركة السورية للبترول هذا المقطع بأنه استكمال للمنظومة، فيما قالت “سانا” إنه يمثل الوصلة الأخيرة بين الأردن وتركيا مروراً بسوريا.

ويتضمن المشروع محطة لرفع ضغط الغاز مجهزة بثلاثة ضواغط بطاقة نقل تبلغ نحو 11 مليون متر مكعب يومياً، مع إمكان رفعها مستقبلاً إلى نحو 22 مليون متر مكعب يومياً بإضافة ضواغط جديدة. كما يضيف إلى الشبكة سعة تخزينية تشغيلية للغاز تقدر بنحو 8 ملايين متر مكعب، ويتيح تشغيل الخط في الاتجاهين.

تتجاوزأهمية هذه التطورات مسألة إضافة أنبوب جديد. فسوريا باتت قادرة على استقبال الغاز من الجنوب عبر الأردن ومن الشمال عبر تركيا، بينما يرفع استكمال الشبكة قدرتها على نقل هذه الإمدادات إلى محطات الكهرباء والمنشآت الصناعية ومراكز الاستهلاك، ويعيد طرح موقعها كحلقة ربط في شبكة غاز إقليمية تغيرت وظيفتها كثيراً عن المشروع الذي بدأ قبل أكثر من عشرين عاماً.

مشروع عربي عمره أكثر من عقدين

نشأ خط الغاز العربي في مطلع الألفية أساساً لنقل الغاز المصري إلى الأردن وسوريا ولبنان، مع تصور لتوسيعه لاحقاً باتجاه تركيا والأسواق الأخرى. وفي يونيو/حزيران 2002 وقعت الدول الأربع اتفاقات مبادئ لإنشاء “الهيئة العربية للغاز” و“الشركة العربية لنقل وتسويق الغاز الطبيعي”، قبل توقيع اتفاقية تأسيس الشركة في يناير/كانون الثاني 2003. واتخذت الهيئة بيروت مقراً لها، فيما اتخذت الشركة دمشق مقراً رئيسياً.

وكان المقصود من الهيئة تنسيق العمل بين الشركات المسؤولة عن إنشاء الخط وتشغيله ومتابعة عمليات النقل والصيانة والتعرفة، فيما أوكلت إلى الشركة مهام مرتبطة بنقل الغاز وتسويقه وإنشاء وإدارة أجزاء من الشبكة. ولا تظهر المصادر الحديثة التي راجعتها دوراً تنفيذياً معلناً لهاتين المؤسستين في الأعمال السورية الحالية.

بدأ التنفيذ بخط العريش-العقبة بطول نحو 265 كيلومتراً، وبلغت كلفته نحو 280 مليون دولار. وقدم الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي قرضاً بقيمة 17 مليون دينار كويتي، بينما شارك الصندوق الكويتي والحكومة المصرية في تغطية بقية الكلفة. وبدأ الغاز المصري يصل إلى الأردن في عام 2003.

ثم أُنشئت الشبكة الأردنية من العقبة إلى الرحاب بطول 393 كيلومتراً، قبل استكمال امتدادها إلى الحدود السورية. وشارك مستثمرون وبنوك مصرية وأردنية في تمويل المرحلة، كما قدم بنك الاستثمار الأوروبي قرضاً بقيمة 100 مليون يورو لخط العقبة-الرحاب.

أما المرحلة الثالثة فكانت الشبكة السورية. ووفق الصندوق العربي، قسمت إلى أربعة أجزاء هي الحدود الأردنية–حمص، وحلب–الحدود التركية، وحمص-حلب، وحمص-طرابلس في لبنان. وكان المقطعان الأول والرابع قد أُنجزا، بينما خُطط لتنفيذ حمص-حلب لاحقاً مع استخدام الشبكة الداخلية السورية بصورة مرحلية بين المدينتين.

وخصص الصندوق العربي في عام 2009 قرضاً أصلياً بقيمة 10 ملايين دينار كويتي لمقطع حلب–كليس، الذي كان مقدراً بطول 62 كيلومتراً، على أن تمول الحكومة السورية بقية الكلفة. إلا أن بيانات الصندوق اللاحقة تظهر إلغاء نحو 8.12 ملايين دينار من قيمة القرض، وبقاء صافي التمويل عند نحو 1.88 مليون دينار.

شبكة بوظيفة جديدة

الخط الذي أنشئ في الأساس لنقل الغاز المصري شمالاً يعمل اليوم ضمن معادلة مختلفة. ففي 2 أغسطس/آب 2025 دخل خط الغاز الطبيعي بين تركيا وسوريا الخدمة، وأعلنت وزارة الطاقة التركية قدرة على توريد ما يصل إلى 6 ملايين متر مكعب يومياً إلى سوريا، بما يعادل نحو ملياري متر مكعب سنوياً في المرحلة الأولى.

ومن الجنوب، بدأ الأردن في الأول من يناير/كانون الثاني 2026 ضخ الغاز إلى سوريا، ثم وقعت شركة الكهرباء الوطنية الأردنية والشركة السورية للبترول اتفاقية تتيح توريد نحو 4 ملايين متر مكعب يومياً. ويستقبل الأردن الغاز الطبيعي المسال عبر العقبة، ويعيد تحويله إلى حالته الغازية ثم يضخه عبر خط الغاز العربي باتجاه سوريا.

وهكذا لم يعد الخط مرتبطاً فقط بتوافر فائض من الغاز المصري. فالبنية القائمة أصبحت قادرة على استقبال الغاز من أسواق ومصادر مختلفة ونقله بحسب الاحتياجات والاتفاقيات التجارية، وهي وظيفة أكثر مرونة من النموذج الذي أُنشئ المشروع على أساسه.

من الكهرباء إلى دور العبور

تظهر الفائدة الأقرب لسوريا في قطاع الكهرباء. فزيادة قدرة الشبكة على نقل الغاز تساعد على توجيه الإمدادات إلى محطات التوليد والمناطق الصناعية، وتمنح المنظومة هامشاً أوسع في إدارة الغاز بين مصادره المختلفة ومراكز الاستهلاك. وتقول الشركة السورية للبترول إن القدرة على التشغيل في الاتجاهين وإضافة السعة التخزينية تستهدفان تحديداً رفع مرونة الشبكة واستقرار الإمدادات.

لكن الأهمية الاقتصادية يمكن أن تتجاوز الاستهلاك المحلي. فاكتمال الاتصال من الحدود الأردنية إلى التركية، إلى جانب المقطع المؤدي إلى لبنان، يوفر أساساً لبنية نقل إقليمية تستطيع سوريا من خلالها أن تؤدي دوراً في العبور إذا توافرت الكميات والعقود والتعرفة والترتيبات التشغيلية اللازمة.

وتعادل طاقة 11 مليون متر مكعب يومياً نحو 4 مليارات متر مكعب سنوياً عند التشغيل الكامل طوال السنة، ويمكن أن تقترب من 8 مليارات متر مكعب إذا رُفعت القدرة إلى 22 مليون متر مكعب يومياً. وهذه طاقة نقل ممكنة وليست تقديراً للكميات التي ستتدفق فعلياً.

ماذا يضيف الخط لكل دولة؟

تختلف القيمة الاقتصادية للخط وفق موقع كل دولة فيه. فمصر تحتفظ بمسار إقليمي قائم لتصدير الغاز عندما تتوافر لديها كميات قابلة للتصدير، وهو أحد الأهداف الأصلية للمشروع. ويستخدم الأردن بنيته في العقبة لاستقبال الغاز المسال وإعادة تغييزه ونقله شمالاً، ما يعزز دوره كمركز إقليمي للطاقة. أما سوريا فتستفيد من تنويع الإمدادات بين الأردن وتركيا ودعم الكهرباء والصناعة، إلى جانب إمكانية تطوير دور العبور. ويتيح استكمال المقطع اللبناني تزويد دير عمار بالغاز وخفض الاعتماد على الوقود السائل، فيما يوفر الربط عبر كليس لتركيا منفذاً لتوريد الغاز إلى السوق السورية.

متى يأتي دور لبنان؟

عودة الخط إلى العمل تضع لبنان مجدداً على خريطته. فالمقطع اللبناني يمتد من منطقة العبودية على الحدود السورية إلى معمل دير عمار بطول نحو 30 كيلومتراً، وسبق أن استخدم لإيصال الغاز إلى لبنان.

وفي مارس/آذار 2026 رست أعمال إعادة تأهيل المقطع على الشركة الفنية لخدمات تشغيل خطوط الغاز  TGS،  وبدأ العقد في 15 يونيو/حزيران لمدة ثلاثة أشهر. وفي أغسطس/آب قال وزير الطاقة والمياه اللبناني جو الصدي إن أعمال إعادة التأهيل تسير وفق الجدول وإن إنجازها متوقع خلال أسابيع، بالتوازي مع وصول اتفاقيات شراء الغاز وعبوره إلى مراحل متقدمة.

وفي 17 سبتمبر/أيلول أعلن الصدي أن قطر قدمت هبة لاستكمال أعمال صيانة خط الغاز في الجانب اللبناني، ما يؤكد أن بعض الأعمال كانت لا تزال مطلوبة بعد انتهاء المدة الأصلية للعقد.

لكن جاهزية الأنبوب لا تكفي لبدء الضخ. فوزارة الطاقة والمياه اللبنانية أوضحت أن العمل يشمل أيضاً إعداد اتفاقيات تجارية لشراء الغاز مع مصر والأردن واتفاقيات عبوره عبر سوريا. وستحدد هذه الترتيبات الكميات والأسعار ورسوم النقل وآليات الدفع قبل إمكان استئناف التوريد.

وبالنسبة إلى لبنان، فإن الفائدة الأساسية تكمن في إمكان تشغيل دير عمار بالغاز الطبيعي بدلاً من الوقود السائل الأعلى كلفة والأكثر تلويثاً. كما أن تحول الشبكة الإقليمية إلى مسار متعدد المصادر قد يمنحه مستقبلاً خيارات أوسع من الاعتماد على مصدر واحد.

ما الذي يبقى أمام الخط؟

رغم التقدم الهندسي، تبقى القيمة الاقتصادية الكاملة للمشروع مرتبطة بثلاثة عناصر رئيسية. الأول هو استكمال الأعمال ورفع كفاءة المقاطع والمحطات المرتبطة بالشبكة. والثاني تأمين كميات غاز مستقرة بعقود طويلة الأجل وشروط تجارية قابلة للاستمرار. أما الثالث فهو وضع ترتيبات واضحة للنقل والعبور والتعرفة والقياس والضغط والصيانة بين الدول المشاركة.

ويبقى التمويل أحد الأسئلة المفتوحة في المرحلة السورية الجديدة. فالإعلانات الرسمية التي راجعتها تحدد طول المقطع وقدراته ومكوناته الفنية، لكنها لا تحدد كلفته أو الجهة التي تموله. ولذلك من المبكر ربط الأعمال الجديدة بجهة تمويل معينة من دون إعلان رسمي.  

كما يطرح المشروع سؤالاً مؤسسياً. فقد أنشئت الهيئة العربية للغاز والشركة العربية لنقل وتسويق الغاز الطبيعي لتنسيق مشروع إقليمي متعدد الدول، لكن المرحلة الحالية تتحرك أساساً عبر اتفاقات ثنائية وترتيبات مباشرة بين الحكومات والشركات الوطنية. ولا يتضح حتى الآن ما إذا كانت الأطر التي أنشئت عند إطلاق المشروع ستستعيد دوراً في تشغيل الشبكة أو تنظيم توسعها.

ما يجري اليوم يعيد استخدام بنية أنشئت قبل أكثر من عقدين ضمن ظروف سوق مختلفة تماماً. وإذا اكتملت الأعمال والعقود، يمكن لخط الغاز العربي أن يستعيد وظيفته كممر إقليمي للطاقة بصيغة أوسع من فكرته الأصلية. فبدلاً من مسار أحادي لنقل الغاز المصري شمالاً، تتشكل تدريجياً شبكة تستطيع استقبال الغاز من الجنوب والشمال وتوزيعه بين أسواق متعددة، بما يزيد قيمتها للكهرباء والصناعة والتجارة والعبور في المنطقة.