العراق أمام مرحلة جديدة... من إدارة الأزمات إلى تثبيت الدولة والاقتصاد

  • 2026-10-01
  • 16:57

العراق أمام مرحلة جديدة... من إدارة الأزمات إلى تثبيت الدولة والاقتصاد

  • الاقتصاد والأعمال

يضع تصريح وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين الأخير بشأن طرح خطة جديدة لحصر السلاح ملفاً أمنياً وسياسياً في قلب مرحلة أوسع يمر بها العراق، عنوانها السعي إلى تثبيت سيادة الدولة وبناء استقرار يمكن أن يشكل قاعدة لنمو اقتصادي واستثماري أكثر استدامة.

وقال حسين إن الحكومة ستطرح خطة جديدة بشأن حصر السلاح، وإن المفاوضات مستمرة مع قيادات الفصائل العراقية، بالتزامن مع دخول العراق مرحلة جديدة بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي. وربط الوزير هذا التحول بالتطورات الإقليمية، مشيراً إلى أن الاقتصاد العراقي كان من أول المتضررين من حرب إيران.

تأتي هذه المواقف في وقت تبدو فيه العلاقة بين الأمن والاقتصاد أكثر وضوحاً. فالعراق لا يحتاج فقط إلى تراجع التهديدات الأمنية المباشرة، وإنما إلى دولة تملك القرار الأمني وتطبق القانون بصورة موحدة وتحمي مؤسساتها وحدودها ومصالحها الاقتصادية. ومن دون هذا الأساس، تبقى قدرة البلد على اجتذاب استثمارات طويلة الأجل وتوسيع علاقاته الاقتصادية محدودة مهما بلغت موارده أو حجم سوقه.

حصر السلاح أساس لسيادة الدولة

يحمل حصر السلاح بيد الدولة معنى يتجاوز تنظيم الوضع الأمني. فهو يتعلق بوضوح الجهة التي تملك سلطة القرار وتتحمل مسؤولية الأمن وتطبق القانون وتحمي العقود والمشاريع والممتلكات.

وهذا عنصر مركزي في بناء الثقة الاقتصادية. فالمستثمر الذي يدرس إنشاء مصنع أو محطة طاقة أو مركز لوجستي لا ينظر فقط إلى حجم السوق أو العائد المتوقع، وإنما إلى قدرة الدولة على فرض قواعد موحدة وتنفيذ العقود وضمان ألا تتأثر الأعمال بمراكز قرار متعددة خارج المؤسسات الرسمية.

ومن هنا تكتسب الخطة التي تحدث عنها حسين أهميتها. فالتقدم في حصر السلاح يمكن أن يخفض جانباً أساسياً من المخاطر التي رافقت الاقتصاد العراقي، ويعزز قدرة الدولة على تحويل الاستقرار الأمني إلى استقرار اقتصادي وقانوني.

ويكتسب الأمر وزناً إضافياً مع انتهاء مهمة التحالف الدولي، إذ تصبح مسؤولية المؤسسات العراقية عن حماية الاستقرار وترسيخ سيادة الدولة أكبر.

من الاستقرار إلى الانفتاح

لكن سيادة الدولة والاستقرار الداخلي لا يحققان وحدهما الازدهار. فالعراق يحتاج إلى استخدام هذا الاستقرار للانفتاح بصورة أوسع على دول المنطقة والعالم وربط اقتصاده بالأسواق المحيطة.

ويتطلب ذلك علاقات مستقرة ومتوازنة مع دول الجوار والقوى الاقتصادية الدولية، وسياسة خارجية قادرة على حماية المصالح العراقية وتقليل انتقال الصراعات الإقليمية إلى الداخل.

وهنا تتقاطع السيادة مع الاقتصاد. فكلما كان القرار الخارجي موحداً ومعبراً عن مؤسسات الدولة، ازدادت قدرة العراق على التفاوض بشأن مشاريع مشتركة وبناء شراكات طويلة الأجل واستقطاب شركات واستثمارات أكثر استقراراً.

وفي المقابل، يعزز التكامل الاقتصادي الاستقرار نفسه. فكلما اتسعت المصالح المشتركة في الكهرباء والنقل والتجارة والطاقة والاستثمار، ارتفعت الكلفة الاقتصادية لأي توتر يهدد هذه العلاقات.

التكامل يتحول إلى بنية تحتية

بدأ هذا الاتجاه يظهر في عدد من المشاريع الإقليمية. ففي قطاع الكهرباء، تتقدم مشاريع الربط مع الخليج وتركيا والأردن، بما يوسع مصادر الإمداد ويخفض الاعتماد على مصدر واحد، ويدمج العراق تدريجياً في شبكات إقليمية للطاقة.

وتزداد أهمية الممرات الإقليمية في قطاع النفط أيضاً. فقد أظهرت تعثرات التصدير عبر مضيق هرمز مدى حاجة العراق إلى تنويع منافذ الخام وعدم حصر الجزء الأكبر من صادراته في المسار البحري الجنوبي.

ولهذا استعاد خط التصدير شمالاً عبر تركيا وميناء جيهان أهمية أكبر، فيما تعمل بغداد ودمشق على دراسة إعادة تأهيل مسار حديثة–بانياس وصولاً إلى البحر المتوسط.

وهذه الممرات تحتاج إلى أكثر من الأنابيب والبنية التحتية. فهي تتطلب حدوداً آمنة، وعلاقات مستقرة مع دول العبور، واتفاقات طويلة الأجل، ومرجعية دولة قادرة على حماية المنشآت والوفاء بالتزاماتها.

ويظهر المسار نفسه في مشروع طريق التنمية، الذي يربط ميناء الفاو بشبكات السكك والطرق وصولاً إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، ضمن تعاون يشمل العراق وتركيا والإمارات وقطر.

وتعطي هذه المشاريع بعداً اقتصادياً مختلفاً لموقع العراق. فالجغرافيا وحدها لا تصنع مركزاً إقليمياً، لكنها تصبح قيمة عندما تتحول إلى موانئ وطرق وسكك حديد وشبكات طاقة وممرات تجارة مترابطة.

الإصلاح الداخلي يكمل الاستقرار

غير أن تحقيق هذه المكاسب يتطلب إصلاحات داخلية موازية. فالعراق ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على النفط والإنفاق الحكومي، بينما يحتاج القطاع الخاص إلى بيئة أكثر قدرة على التمويل والاستثمار والتوسع.

كما تبقى المصارف والكهرباء والنقل والإدارة العامة وسرعة إنجاز المعاملات ووضوح القواعد التنظيمية عناصر أساسية في قرار المستثمر.  

وتزداد أهمية ذلك لأن العراق يملك سوقاً تتجاوز 46 مليون نسمة وموارد كبيرة من النفط والغاز وحاجة واسعة إلى مشاريع جديدة في الإسكان والطاقة والنقل والصناعة والزراعة والخدمات.

تحويل الاستقرار إلى فرص عمل وخدمات

 في النهاية، تكتسب هذه المرحلة أهميتها من قدرتها على تحويل الاستقرار السياسي والأمني إلى نتائج اقتصادية ملموسة. وبالنسبة إلى العراقيين، يظهر ذلك في فرص العمل والدخل والكهرباء والسكن والنقل والتعليم والصحة، وفي قدرة الاقتصاد على استيعاب أعداد متزايدة من الداخلين إلى سوق العمل.

وبالتالي، يصبح حصر السلاح ركناً في مشروع أوسع لترسيخ سيادة الدولة. فالدولة التي تحتكر القرار الأمني وتفرض القانون تكون أكثر قدرة على التخطيط على المدى الطويل، وحماية مصالحها، وتطوير علاقاتها بمحيطها، والتفاوض على المشاريع والشراكات الإقليمية، واستقطاب استثمارات أكثر ثباتاً.