ما بعد تثبيت الاستقرار... مصر تبحث عن نمو يقوده الاستثمار والإنتاج

  • 2026-09-29
  • 11:00

ما بعد تثبيت الاستقرار... مصر تبحث عن نمو يقوده الاستثمار والإنتاج

  • كتب فيصل أبوزكي

التقى رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي محافظ البنك المركزي حسن عبد الله في 27 أيلول عام 2026، في اجتماع تناول إعداد "برنامج التحول الاقتصادي الوطني"، وخفض التضخم، وزيادة التدفقات الدولارية، والمحافظة على مستويات آمنة من الاحتياطيات الأجنبية تكفي لتغطية الاحتياجات الاستراتيجية من السلع الأساسية.

وتكتسب هذه الملفات أهمية إضافية من توقيت الاجتماع. فمصر تقترب من نهاية البرنامج الحالي مع صندوق النقد الدولي، بعدما أكمل المجلس التنفيذي للصندوق المراجعة السابعة في تموز عام 2026، فيما يفترض أن تكون المراجعة الثامنة المحطة الأخيرة ضمن الترتيب الذي جرى تمديده حتى 15 كانون الأول عام 2026.

وبالتوازي، تعمل الحكومة على إعداد برنامج وطني يجمع السياسات المالية والنقدية والقطاعية ضمن إطار واحد للسنوات المقبلة.

برنامج لما بعد إدارة الأزمة

يعطي هذا التزامن اللقاء دلالة أوسع من مجرد المتابعة الدورية بين الحكومة والبنك المركزي. فخلال السنوات الأخيرة تركز جانب كبير من السياسة الاقتصادية المصرية على معالجة اختلالات عاجلة شملت نقص العملات الأجنبية، وضغوط سعر الصرف، والتضخم، والعجز والديون، وتأمين التمويل الخارجي.

أما "برنامج التحول الاقتصادي الوطني" فيشير إلى توجه نحو مرحلة تركز بدرجة أكبر على تثبيت ما تحقق من استقرار ودفع النمو والإنتاج والاستثمار.

وكانت الحكومة قد عقدت في 17 أيلول عام 2026 اجتماعاً موسعاً لمتابعة إعداد البرنامج. وقال مدبولي إن العمل وصل إلى مرحلة تدقيق البيانات والمستهدفات تمهيداً لاستكمال الصياغة النهائية، على أن يعرض البرنامج بعد ذلك على الرئيس قبل إطلاقه رسمياً. وأكدت الحكومة أن البرنامج يستهدف تحقيق التكامل بين السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية والقطاعية.

ومن هنا تأتي أهمية مشاركة البنك المركزي في إعداده. فالمرحلة المقبلة تتطلب تنسيق السياسة النقدية مع توجهات الحكومة الاقتصادية، بحيث يسير خفض التضخم وضبط المالية العامة بالتوازي مع سياسات تدعم الاستثمار والصناعة والتجارة وترفع الإنتاج والتصدير.

التضخم يبقى عامل ضغط على النمو

ويظهر هذا التوازن بوضوح في ملف التضخم. فانتقال الاقتصاد إلى مرحلة تركز بدرجة أكبر على النمو والاستثمار يبقى مرتبطاً بمواصلة خفض التضخم والحفاظ على الاستقرار النقدي. وكان صندوق النقد قد أكد بعد المراجعة السابعة أن التضخم يتجه إلى التراجع، مع التشديد في الوقت نفسه على استمرار السياسة النقدية الملائمة والانضباط المالي في ظل المخاطر الخارجية.

وهذا ما يجعل الحكومة تواجه معادلة دقيقة. فخفض الفائدة يمكن أن يدعم الاستثمار والائتمان والنشاط الاقتصادي، لكن التسرع فيه قد يعيد الضغوط على الأسعار وسعر الصرف. لذلك يتطلب دفع النمو زيادة الإنتاج والاستثمار بالتوازي مع مواصلة خفض التضخم وترسيخ الاستقرار النقدي.

 من تأمين الدولار إلى إنتاجه

وإلى جانب خفض التضخم، يبقى تعزيز موارد النقد الأجنبي ركناً أساسياً في تثبيت الاستقرار الاقتصادي. وقد تناول لقاء مدبولي وعبد الله زيادة التدفقات الدولارية والمحافظة على احتياطيات آمنة، فيما أشار مجلس الوزراء إلى ارتفاع تحويلات المصريين العاملين في الخارج بنسبة 28.1 في المئة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 إلى نحو 29.7 مليار دولار، مقابل 23.2 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2025.

ويعزز تحسن هذه التدفقات قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات، لكن الأهم في المرحلة المقبلة هو نوعية مصادر الدولار واستدامتها. فتدفقات المحافظ والاقتراض وبيع حصص من الشركات يمكن أن توفر سيولة مهمة، بينما توفر الصادرات والسياحة والخدمات وتحويلات العاملين والاستثمار الأجنبي المباشر موارد أكثر استقراراً واستمرارية.

ومن ههذا المنظور، تبرز إحدى الوظائف الأساسية للبرنامج الجديد في زيادة قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي، من خلال توسيع الإنتاج والتصدير والسياحة والخدمات والتكنولوجيا وجذب استثمارات طويلة الأجل.

 القطاع الخاص في قلب المرحلة المقبلة

ويتصل ذلك مباشرة بالدور الذي يفترض أن يلعبه القطاع الخاص في المرحلة المقبلة. فزيادة الاستثمار والإنتاج والتصدير، وبالتالي تعزيز قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي، ترتبط بمدى اتساع المجال أمام الشركات الخاصة وقدرتها على الاستثمار والمنافسة.

ولهذا يضع صندوق النقد زيادة دور القطاع الخاص وتنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج بين الإصلاحات الضرورية لاستدامة التحسن الاقتصادي. وتحدد سياسة ملكية الدولة القطاعات التي ستستمر الدولة في النشاط فيها وتلك التي ستخفض أو تنهي وجودها فيها، فيما يشمل برنامج التخارج بيع حصص في شركات مملوكة للدولة لمستثمرين من القطاع الخاص أو طرحها في البورصة.

وفي بيانه بعد المراجعة السابعة، شدد الصندوق على أهمية المضي في هذه الإصلاحات إلى جانب استمرار الانضباط المالي والنقدي. وتكتسب هذه التوجهات أهمية خاصة في البرنامج الجديد، لأنها ترتبط برفع الاستثمار الخاص وتوسيع دوره في الإنتاج والتصدير والنمو.

وتدخل مصر هذه المرحلة من وضع أكثر قدرة على مواجهة الصدمات مقارنة بالسنوات السابقة، لكن المهمة الأصعب هي تحويل هذا التحسن إلى نمو أكثر استدامة تقوده زيادة الاستثمار والإنتاج والتصدير ويعتمد بدرجة أقل على التمويل الخارجي. ومن هنا تبرز أهمية "برنامج التحول الاقتصادي الوطني"، باعتباره الإطار الذي سيحدد أولويات الاقتصاد المصري في المرحلة التالية لانتهاء البرنامج الحالي مع صندوق النقد وفي ظل ظروف عالمية واقليمية أكثر تعقيداً.