سوريا تستعيد موقعها على خريطة الطيران المدني

  • 2026-09-20
  • 07:00

سوريا تستعيد موقعها على خريطة الطيران المدني

  • الاقتصاد والأعمال

يشكل اعتماد الطريق الجوي L602 عبر المنطقة الشرقية من سوريا خطوة تتجاوز إضافة مسار جديد إلى شبكة الملاحة الجوية. فالطريق الذي يمر بالقرب من دير الزور، ويهدف إلى توفير مسار أكثر مباشرة وكفاءة بين دول الخليج وأوروبا، يعكس جانباً من ورشة أوسع لإعادة بناء قطاع الطيران المدني السوري واستعادة موقع البلاد على خريطة النقل الجوي الإقليمي. وجاء اعتماد المسار بعد أشهر من الدراسات الفنية ومحاكاة حركة الطائرات والتنسيق مع الدول المجاورة والمنظمات المعنية.

هذه العودة تبدأ من الأجواء وتمتد إلى المطارات وشركات الطيران والخدمات المرتبطة بها. وبعد سنوات تراجعت خلالها حركة الطيران وانخفض استخدام المجال الجوي السوري، تحاول دمشق اليوم بناء قطاع قادر على خدمة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، وفي الوقت نفسه الاستفادة من موقع سوريا بين الخليج والعراق وتركيا وأوروبا والشرق المتوسط.

استعادة الأجواء

يمثل المجال الجوي أحد المكونات الاقتصادية للقطاع. فمرور الطائرات الدولية يولد إيرادات من خدمات الملاحة الجوية، ويعيد سوريا تدريجياً إلى شبكة المسارات المستخدمة بين الخليج وأوروبا. وكلما تحسنت كفاءة المسارات ومعايير السلامة وتوسعت قدرة المراقبة الجوية، ارتفعت إمكانية استقطاب مزيد من حركة العبور.

ولهذا تترافق إعادة فتح المسارات مع تحديث أنظمة الملاحة وتجهيز المطارات. وتكمن أهمية هذه العملية في أنها تعيد بناء البنية التي تقوم عليها الحركة الجوية قبل زيادة عدد الرحلات نفسها.

استثمارات كبيرة في المطارات

في موازاة ذلك، دخل تطوير المطارات مرحلة استثمارية أوسع. ففي مطار دمشق الدولي، وقعت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عقوداً مع تحالف دولي تقوده "أورباكون القابضة" القطرية، وبمشاركة شركات تركية وأميركية، لتطوير المطار وتوسعته وتشغيله باستثمارات تبلغ أربعة مليارات دولار. وتشمل الأعمال تطوير الصالات والبنية التحتية ورفع الطاقة الاستيعابية، فيما يجري تنفيذ الصالة الثانية ضمن المشروع.

وفي حلب، دخل مشروع تطوير المطار مسار التنفيذ بموجب اتفاقية وقعتها هيئة الطيران المدني مع صندوق "إيلاف للاستثمار" السعودي، بقيادة مجموعة "بن داود للاستثمار". وتشمل الخطة تطوير وتشغيل المطار الحالي، على أن تبدأ أعمال التحسين مطلع 2027، بالتوازي مع تطوير مطار جديد بطاقة أولية تقارب 6 ملايين مسافر سنوياً ترتفع لاحقاً إلى 12 مليوناً.

 تشير هذه المشاريع إلى توجه لبناء شبكة مطارات تخدم مراكز اقتصادية مختلفة، بدلاً من تركيز معظم الحركة في دمشق. فحلب ترتبط بقاعدة صناعية وتجارية كبيرة، فيما يمكن للمطارات الشرقية أن تخدم حركة الأعمال والاستثمار وإعادة الإعمار في مناطقها.

نموذج مختلف للقطاع

التحول الأهم قد يكون في طريقة بناء القطاع نفسه. فالاستثمارات المعلنة تظهر اتجاهاً أكبر نحو إشراك الشركات الخاصة والدولية في التمويل والتطوير والتشغيل، في حين تركز الدولة على التنظيم والسلامة وإدارة المجال الجوي.

يمكن أن يخفف هذا النموذج حجم التمويل المطلوب من الحكومة، ويجلب خبرات تشغيلية وتقنية تحتاجها المطارات السورية بعد سنوات طويلة من ضعف الاستثمار. كما يسمح بربط تطوير المطارات بحجم الطلب المتوقع بدلاً من الاكتفاء بتوسعتها كمرافق عامة.

لكن نجاح هذه الاستثمارات يرتبط أيضاً بقدرة سوريا على إعادة بناء شبكة الوجهات واستقطاب شركات الطيران. فالمطار الجديد أو الموسع يحتاج إلى حركة ركاب وشحن كافية، واتفاقيات نقل جوي، وخدمات تشغيلية وأسعار قادرة على المنافسة.

سوق أوسع من المطارات

تشمل الفرص الاستثمارية في قطاع الطيران السوري مباني المطارات والمدارج ومجموعة واسعة من الأنشطة تشمل المناولة الأرضية، التموين، الصيانة، الشحن الجوي، المستودعات، الوقود، أنظمة الملاحة والاتصالات، مواقف الطائرات، التدريب والخدمات التجارية.

وتزداد أهمية الشحن الجوي مع توسع عملية إعادة الإعمار. فاستيراد المعدات وقطع الغيار والمستلزمات الطبية والمنتجات مرتفعة القيمة، إلى جانب تصدير بعض المنتجات الزراعية والصناعية، يمكن أن يخلق طلباً متزايداً على خدمات الشحن السريع. ويعطي ذلك خصوصاً مطاري دمشق وحلب فرصة للارتباط بصورة أكبر بالمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية.

استعادة الموقع

تقع سوريا على مسارات طبيعية تربط الخليج بالعراق وتركيا وأوروبا وشرق المتوسط. ويمكن لتحسن ظروف المجال الجوي أن يعيد جزءاً من الرحلات التي غيرت مساراتها خلال سنوات الحرب.

غير أن استعادة هذا الموقع تعتمد على أكثر من الجغرافيا. فهي تتطلب انتظاماً في التشغيل، ومعايير سلامة مرتفعة، وأنظمة ملاحة حديثة، ورسوم عبور ومطارات منافسة، وقواعد واضحة للمستثمرين وشركات الطيران.

ما يجري اليوم يشير إلى أن سوريا بدأت تتعامل مع الطيران المدني كجزء من البنية المطلوبة للتعافي الاقتصادي، إلى جانب الموانئ والطرق والسكك. ومن تطوير مطاري دمشق وحلب إلى إعادة تشغيل مطارات أخرى وتحديث الملاحة وفتح طرق جوية جديدة، تتشكل تدريجياً شبكة يمكن أن تعيد ربط البلاد بالأسواق وحركة السفر والاستثمار.