المركزي السوري يوسع رقابته على التعاملات المالية ويمضي بالإصلاح
المركزي السوري يوسع رقابته على التعاملات المالية ويمضي بالإصلاح
-
الاقتصاد والأعمال
بدأ مصرف سورية المركزي تكثيف رقابته على أنشطة الصرافة والحوالات المالية، ضمن توجه أوسع لتنظيم المعاملات المالية وتطوير القطاع المصرفي، بالتوازي مع تنفيذ برنامج لإصلاح القطاع المالي بدعم من البنك الدولي وشركاء دوليين وإقليميين. ويجمع هذا التوجه بين ضبط الأنشطة غير المرخصة، وتحديث أنظمة الدفع والرقابة المصرفية، وتهيئة القطاع لاستعادة علاقاته بالمؤسسات المصرفية الدولية.
وأعلن المصرف في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2026 توجيه 755 إنذاراً إلى محال ومنشآت تمارس الصرافة والحوالات المالية دون ترخيص، خلال حملات تفتيش بالتعاون مع وزارة الداخلية شملت 11 محافظة. ويعكس حجم الإنذارات وانتشار الحملات انتقال الرقابة إلى متابعة ميدانية أوسع للمعاملات المالية خارج المؤسسات المرخصة.
وتأتي هذه الإجراءات في سوق تعتمد بدرجة كبيرة على النقد والصرافين وشبكات الحوالات، نتيجة سنوات الحرب والعقوبات وضعف الوساطة المصرفية. وقد ساهم هذا الواقع في توسع المعاملات خارج القنوات الرسمية، وصعوبة متابعة حركة الأموال، وتراجع دور المصارف في تمويل النشاط الاقتصادي.
رقابة ميدانية وتنظيم أوسع للسوق
تندرج الحملة الأخيرة ضمن سلسلة إجراءات اتخذها المركزي خلال الأشهر الماضية. ففي آب/أغسطس 2026 نفذت السلطات الرقابية جولات على محال الصرافة في دير الزور بعد شكاوى تتعلق باستيفاء مبالغ مقابل استبدال العملة القديمة بالجديدة، وشملت الإجراءات إغلاق محال مخالفة. كما وسع المصرف حضوره الرقابي مع إعادة افتتاح فروعه في الرقة وإدلب وإعادة تفعيل عمله في مناطق كانت خارج نطاق إشرافه المباشر لسنوات.
وفي موازاة ذلك، نظم المركزي خدمات الحوالات الخارجية، وأتاح في حزيران/يونيو استلامها بالليرة السورية أو بالعملات الأجنبية وفق رغبة المستفيد والإمكانات المتاحة لدى الجهة المسلّمة.
وترتبط هذه الإجراءات بتعزيز الامتثال لقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتحقق من هوية المتعاملين ومصادر الأموال، وهي متطلبات أساسية لتوسيع علاقات المصارف السورية مع البنوك المراسلة والمؤسسات المالية الخارجية.
استراتيجية إصلاح تمتد حتى عام 2030
تستند التحركات الجارية إلى استراتيجية أعلنها المركزي في أيار/مايو 2026 للأعوام 2026-2030، وتتضمن أكثر من 30 برنامجاً ومبادرة موزعة على خمسة محاور تشمل الاستقرار النقدي، وتنظيم سوق الصرف، وتعزيز سلامة القطاع المالي، وتطوير المدفوعات الرقمية، وإعادة الاندماج في النظام المالي العالمي.

وفي آب/أغسطس الماضي، أُقرت هيكلية تنظيمية جديدة للمصرف لتوضيح اختصاصات الإدارات وتعزيز الحوكمة والتنسيق المؤسسي، وتوفير إطار إداري لتطوير الرقابة المصرفية وإدارة المخاطر والأدوات النقدية.
منحة البنك الدولي تدعم الإصلاح المؤسسي
يشكل برنامج تحديث القطاع المالي، الذي وافق البنك الدولي على تمويله بمنحة قيمتها 100 مليون دولار في 6 آب/أغسطس 2026، أحد أبرز عناصر الدعم الخارجي للإصلاح. ويستهدف البرنامج معالجة ضعف البنية التكنولوجية ومحدودية المدفوعات الإلكترونية وتراجع الوساطة المصرفية والقصور في أنظمة الرقابة والامتثال.
ويتضمن البرنامج تطوير أنظمة الدفع والبنية التحتية الائتمانية، وتحديث الأنظمة التشغيلية للمركزي وقدراته في الأمن السيبراني، وتعزيز قدرات وحدة المعلومات المالية. كما يشمل مراجعات مستقلة لجودة المحافظ الائتمانية والاستثمارية لدى المصارف العامة والخاصة، لتحديد أوضاعها المالية واحتياجاتها للإصلاح وإعادة التأهيل.
وتتكامل هذه الإصلاحات مع حملات التفتيش التي ينفذها المركزي بصلاحياته الرقابية القائمة.
تعاون فرنسي وإماراتي واتصالات مع الاحتياطي الفيدرالي
شهد الأسبوع الأول من تشرين الأول/أكتوبر توسعاً في التعاون الدولي للمركزي السوري، مع بدء تنفيذ مشروع فرنسي للمساعدة الفنية يركز على الرقابة المصرفية القائمة على المخاطر، والسياسة النقدية، وإدارة السيولة، وتطوير سوق التعاملات بين المصارف، بمشاركة مؤسسات مالية وفنية فرنسية رسمية.
توقيع الاتفاق مع المصرف المركزي الاماراتي
وفي 6 تشرين الأول/أكتوبر، وقع حاكم المركزي محمد صفوت رسلان ومحافظ مصرف الإمارات المركزي خالد محمد بالعمى مذكرة تفاهم للتعاون المالي والرقابي والتقني، تشمل تطوير الأطر التنظيمية وبناء القدرات وتعزيز الشمول المالي.
وسبقت ذلك مباحثات أجراها وفد المركزي السوري مع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في نيويورك في 5 تشرين الأول/أكتوبر، تناولت الجوانب الفنية والتشغيلية لاستخدام حساب المركزي السوري لدى الاحتياطي الفيدرالي في تنفيذ العمليات المصرفية بالدولار، ضمن جهود استعادة قنوات التعامل المالي الخارجي.

وتتكامل هذه المبادرات مع برنامج البنك الدولي، من خلال تطوير القدرات الرقابية والنقدية والاستفادة من الخبرات الدولية، وتهيئة المصارف السورية لإعادة الاتصال بالنظام المالي العالمي.
تنظيم السوق واستعادة دور المصارف
تتسع أهمية الإصلاحات الجارية لتشمل تعزيز دور المصارف في الاقتصاد. ويحد الاعتماد الواسع على النقد من قدرة هذه المصارف على تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو تمويل الشركات والأفراد، ويزيد كلفة المعاملات ويضعف الشفافية المالية.
ويساهم تطوير أنظمة الدفع والرقابة وتنظيم الحوالات في توسيع الخدمات المصرفية وتحسين متابعة التدفقات المالية وتوفير بيئة أكثر ملاءمة لتمويل التجارة والاستثمار. كما يساعد تعزيز معايير الامتثال في استعادة العلاقات مع البنوك المراسلة والمؤسسات المالية الدولية.
وتشير الحملات الرقابية الأخيرة إلى تقدم مسار ضبط السوق بالتوازي مع تحديث المؤسسات والأنظمة المصرفية.
ومع تنفيذ البرامج التطوير المعلنة، تتوافر للقطاع المالي السوري مقومات لاستعادة دوره بقوة في إدارة المدخرات والمدفوعات وتمويل النشاط الاقتصادي.

