الناقل الوطني يؤسس لصناعة مياه جديدة في الأردن
الناقل الوطني يؤسس لصناعة مياه جديدة في الأردن
-
الاقتصاد والأعمال
تنتقل الاستعدادات لمشروع الناقل الوطني للمياه في الأردن خطوة إضافية نحو التنفيذ، بعدما وافق مجلس الوزراء على مجموعة من التسهيلات والإعفاءات للمشروع ضمن منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، فيما بدأت السلطة تهيئة البيئة الاستثمارية والإجرائية اللازمة للمكونات التي ستقام في المدينة.
ويضيف القرار بعداً اقتصادياً إلى مشروع ترتبط أهميته أساساً بالأمن المائي. فمع تقدم الترتيبات السابقة للتنفيذ، تتضح الأنشطة الصناعية واللوجستية والخدمية التي يمكن أن تنشأ حوله، ما يفتح أمام العقبة فرصة لاستبقاء جزء أكبر من إنفاق واحد من أكبر مشاريع البنية التحتية في المملكة داخل الاقتصاد الأردني.
العقبة نقطة البداية
قال مفوض الشؤون الاقتصادية والاستثمار في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة محمد أبو عمر إن العقبة ستكون نقطة انطلاق للمشروع وموقعاً لعدد من مكوناته الرئيسية، وفي مقدمتها منشآت سحب مياه البحر ومحطة التحلية، قبل نقل المياه عبر الشبكة باتجاه العاصمة والمحافظات.
ويتيح موقع العقبة الاستفادة من الموانئ والخدمات اللوجستية والبنية التحتية والطاقة والخبرات المتاحة فيها. وهنا تظهر أهمية التسهيلات الأخيرة، إذ تعمل السلطة على تيسير الإجراءات الخاصة بالمكونات التي ستقام داخل المنطقة الاقتصادية الخاصة، بما يساعد على استكمال المتطلبات والانتقال من المرحلة الإجرائية إلى التنفيذ الفعلي. وبهذا تصبح العقبة قاعدة للأعمال الهندسية والإنشائية واللوجستية والصناعية المرتبطة بالمشروع، وليس مجرد موقع لمحطة التحلية.

كلفة المشروع تصل إلى 5.8 مليار دولار
الناقل الوطني هو أكبر مشروع للمياه في تاريخ الأردن. وسيشمل محطة لتحلية مياه البحر في العقبة، ونظام نقل يمتد نحو 438 كيلومتراً، إلى جانب منظومة للطاقة المتجددة. ويستهدف إنتاج 300 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، بما يوفر نحو 40 في المئة من احتياجات مياه الشرب في المملكة عند اكتماله.
وتقدر الحكومة الكلفة الرأسمالية للمشروع بنحو 4.3 مليار دولار، فيما تصل الكلفة الكلية إلى نحو 5.8 مليار دولار عند احتساب كلف التمويل. وهذا الحجم لا يذهب إلى محطة التحلية وحدها، وإنما يشمل شبكة كبيرة من الأنابيب ومحطات الضخ والطاقة والمعدات والأعمال الهندسية والخدمات. وكلما زادت نسبة ما يوفر من هذه الاحتياجات داخل الأردن، ارتفعت القيمة التي يبقيها المشروع داخل الاقتصاد المحلي.
من أين يأتي التمويل؟
يقوم تمويل المشروع على مزيج من مساهمة الحكومة ورأس مال المستثمرين والقروض المحلية والدولية والمنح. وستوفر الحكومة خلال فترة التنفيذ نحو 722 مليون دولار من الموازنة، وهي بحسب الحكومة أكبر مساهمة من الخزينة في مشروع رأسمالي، بهدف تخفيض كلفة المياه الناتجة من المشروع. كما سيقدم تحالف للمصارف التجارية الأردنية يقوده بنك الإسكان تمويلاً يصل إلى 1.1 مليار دولار، ويشارك صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي في هذا التمويل.
ويتضمن الهيكل التمويلي الذي نشره صندوق المناخ الأخضر، وهو صندوق دولي أُنشئ ضمن منظومة الأمم المتحدة لتمويل مشاريع المناخ في الدول النامية، نحو 825 مليون دولار من رأس المال المساهم، إلى جانب قروض ومنح. ويقدم الصندوق نفسه 295 مليون دولار، منها 220 مليون دولار قرضاً و75 مليون دولار منحة، فيما وافق البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية على قرض يصل إلى 475 مليون دولار. كما وافقت مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية في أيلول عام 2026 على قرض لشركة المشروع وتأمين ضد المخاطر السياسية للمستثمرين "ميريديام" و"سويز" .
ويشارك صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي أيضاً في رأس مال شركة المشروع بحصة معلنة تبلغ 15 في المئة. أما الشركة فقد أسستها في الأصل "ميريديام" و"سويز"، قبل دخول الصندوق الأردني شريكاً فيها. ويساعد هذا المزيج من رأس المال والمنح والتمويلات طويلة الأجل على توزيع المخاطر وخفض الاعتماد على الموازنة أو الاقتراض التجاري وحدهما، وهي مسألة ستنعكس في النهاية على كلفة المياه خلال سنوات التشغيل.
مصنع الأنابيب أول مؤشر
ظهر أحد أوضح التطبيقات الصناعية لهذه الفكرة مع موافقة الحكومة على إنشاء مصنع للأنابيب الفولاذية وطلائها برأسمال يصل إلى 120 مليون دينار، على أن يخصص 50 في المئة من إنتاجه لتنفيذ الناقل الوطني، إلى جانب خدمة مشاريع المياه والغاز المستقبلية. ومن المتوقع أن يوفر المصنع نحو 420 فرصة عمل للأردنيين.
ويقدم المصنع نموذجاً لما يمكن أن ينتجه المشروع خارج قطاع المياه نفسه. فبدلاً من استيراد كامل احتياجات الناقل من الأنابيب، يمكن استخدام الطلب الكبير الذي يولده لإنشاء قدرة صناعية داخل الأردن تستمر بعد انتهاء أعماله وتخدم مشاريع أخرى محلياً وفي الأسواق المجاورة.

الطاقة والخدمات توسع الأثر
ولا تتوقف الفرصة عند الأنابيب. فالناقل الوطني مشروع كثيف الاستخدام للطاقة بسبب تحلية مياه البحر ثم ضخها لمسافة طويلة وبارتفاعات كبيرة، ويتضمن منظومة للطاقة المتجددة بقدرة تبلغ نحو 281 ميغاواط. كما يفتح المجال أمام أنشطة مرتبطة بالهندسة الكهربائية والتشغيل والصيانة ومعالجة المياه وتقنيات الأغشية والمضخات وإدارة الطاقة والمختبرات والتدريب. ومع تراكم هذه الخبرات، يمكن أن تعزز العقبة موقعها كمركز لخدمات المياه والتحلية والطاقة المرتبطة بها.
الاقتراب من التنفيذ
يقوم المشروع على نموذج شراكة بين القطاعين العام والخاص، تتولى بموجبه شركة المشروع التصميم والبناء والتمويل والتشغيل والصيانة، قبل نقل الموجودات إلى الحكومة في نهاية اتفاق يمتد 30 عاماً.
ورغم التقدم الكبير في ترتيبات التمويل والتعاقدات، لم يكن الغلق المالي قد اكتمل حتى أحدث المعلومات المنشورة في أيلول عام 2026. ولذلك تبقى الإجراءات الجارية في العقبة، ومصنع الأنابيب، والاتفاقات التمويلية الجديدة جزءاً من الاستعداد للانتقال إلى التنفيذ الفعلي، وليست دليلاً على أن الأعمال الإنشائية الرئيسية بدأت بالفعل.

الأثر التالي سيكون داخل منظومة المياه
يتوقع أن يظهر الأثر الأهم بعد إنجاز المشروع وبدء تدفق نحو 300 مليون متر مكعب من المياه سنوياً إلى المنظومة الأردنية. عندها ستنتقل القضية من بناء محطة التحلية وخط النقل إلى قدرة الشبكات والخزانات على استيعاب الكميات الجديدة وتوزيعها بين المحافظات وخفض الفاقد وتحسين انتظام التزويد. كما يشير صندوق النقد الدولي إلى الحاجة إلى استثمارات إضافية في الشبكات والتخزين استعداداً للكميات التي سيضيفها الناقل.
وستبرز في الوقت نفسه قضية مالية كبيرة. فشركة المشروع الخاصة ستنتج وتنقل المياه بموجب عقد طويل الأجل مع الحكومة، فيما يبقى توزيع المياه على المستهلكين ضمن منظومة المياه العامة. وقد أشارت الحكومة إلى سعر تأشيري يقارب 2.7 دولار للمتر المكعب، أي نحو 1.9 دينار، بعد خفضه من نحو 3 دولارات خلال المفاوضات.
وإذا بقيت التعرفة التي يدفعها المستهلك أدنى بكثير من كلفة توفير المياه الجديدة، ولم يعوض الفارق من خلال خفض الفاقد وزيادة الكفاءة والتحصيل وإصلاح التعرفة، فقد يتحول جزء منه إلى عبء إضافي على سلطة المياه والمالية العامة.
وتزداد أهمية هذه المسألة لأن قطاع المياه يعاني أصلاً من ضغوط مالية، إذ بلغت خسائره المجمعة نحو 172 مليون دينار في عام 2025، فيما تستهدف الحكومة حصرها عند نحو 176 مليون دينار في عام 2026. وقد يضيف الناقل الوطني تحدياً جديداً إلى هذه المعادلة، إذ يحذر صندوق النقد الدولي من أن ارتفاع كلفة المياه التي سيوفرها المشروع سيضع ضغوطاً إضافية على الوضع المالي لسلطة المياه.
ما بعد التشغيل
ولهذا يجري العمل على تحديث خارطة الاستدامة المالية للقطاع، إلى جانب رفع التعرفة تدريجياً وخفض فاقد المياه وتحسين التحصيل والكفاءة التشغيلية. والهدف أن تصبح الإيرادات أكثر قدرة على تغطية تكاليف التشغيل والصيانة، بما فيها الالتزامات المرتبطة بمشاريع الشراكة مع القطاع الخاص عندما يدخل الناقل الخدمة.
وعندها ستبدأ مرحلة مختلفة من قصة الناقل الوطني. فالسؤال لن يعود فقط إلى كيفية تمويل المشروع وبنائه، وإنما إلى كيفية دمج هذا المورد الجديد في منظومة المياه، وكيف سيتغير التوزيع وانتظام التزويد، وما الذي سيحدث للتعرفة والدعم، وكيف ستوزع الكلفة بين المستهلك وسلطة المياه والخزينة. وهي مسائل ستحدد، إلى جانب الأمن المائي الذي يوفره المشروع، أثره المالي والاقتصادي على الأردن لعقود مقبلة.

