هل تجفّف أبل موارد فايسبوك بتحصين خصوصية المستخدمين؟

  • 2020-09-01
  • 16:40

هل تجفّف أبل موارد فايسبوك بتحصين خصوصية المستخدمين؟

ًخطوة أبل تأتي استكمالاً لما بدأته العام الماضي وقد يشكل مساراً تصاعديا

  • إياد ديراني

حسمت شركة أبل أمرها في ملف جمع البيانات الذي تمارسه شركات التطبيقات الهاتفية على مستخدمي منصتها للتواصل الاجتماعي، وقررت المبادرة إلى منح حملة هاتفها ايفون خياراً يتيح لهم رفض تعقب وجمع التطبيقات لبياناتهم الشخصية، لكن على الرغم من أن الإجراء يطال عموم التطبيقات من خلال تحديث نظام تشغيل IOS14، إلا أن ردة الفعل الأقوى جاءت من فايسبوك التي اعتبرت نفسها معنية بشكل رئيسي بهذه الخطوة، خصوصاً أنها جاءت بعد تعثّر المفاوضات بينها وبين "أبل" حول هذه الخطوة.

وليس سراً، أن فايسبوك هي من أكبر المستفيدين في مجتمع التطبيقات العالمي من "الابهام" و"التعقيد" المتعلقين بطريقة إيقاف المستخدم لتعقب بياناته، وهي تعتمد هذا الأسلوب في كل تطبيقات شركاتها الأخرى وأشهرها "واتساب" و"انستغرام"، وتشير تقديرات إلى أن إجراء "أبل" هذا قد يتسبّب بانخفاض بما نسبته 50 في المئة ضمن قسم الإعلانات في المجال الذي تسمّيه فايسبوك شبكة الجمهور أو المستخدمين Audience Network.     

وبذلك تكون "أبل" قد فتحت الباب واسعاً أمام صانعي الهاتف النقال حول العالم للمضي في محاولة تجريد فايسبوك من الأداة التي تتيح جمع المعلومات بطريقة غير واضحة بالنسبة إلى المستخدمين من جهة، وإشهار بطاقة صفراء بوجه الشركة المُتهمة ببيع بيانات المستخدمين من دون الالتفات سوى إلى الإيرادات. ومن المعروف أن فايسبوك تبيع هذه المعلومات إلى المعلنين على منصتها الاجتماعية، وأحياناً بطريقة تخرق فيها القوانين، ولا تزال قضية كمبردج أناليتيكا حاضرة في الأذهان منذ سنوات، إذ شكّلت أكبر فضيحة، خصوصاً أنها تضمنت استخدام بيانات المستخدمين بطريقة غير قانونية، والقيام بعملية "نمذجة نفسية" Psychological Profiling للمستخدمين بغية التأثير على نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية. لكن ما هي معاني وتأثيرات قرار "أبل" الأخير، وهل يمكن اعتباره خطوة معزولة ومنفردة في قضايا مواجهة جمع وبيع بيانات المستخدمين؟ وإلى أي مدى ستكون هذه الخطوة ناجحة بحماية المستخدم؟

 

إقرأ:

مايكروسوفت تقتحم جسم الانسان لتوليد العملات الرقمية

 

 

المستخدم يدير الدفة

 

تقول "أبل" إن تحديث نظام التشغيل الجديد iOS14 سيركّز على إعادة عناصر التحكم في الخصوصية إلى المستخدمين، ما يعني أن الأدوات التي تتيح للمستخدم اتخاذ قرار حيال إيقاف شركة ما عن متابعة معلومات خاصة به، ستُصبح أكثر بساطة ووضوحاً، كما إن ذلك يعني ضمناً، اعترافاً من "أبل"، بأن عناصر التحكم في الخصوصية لم تكن واضحة بشكل كاف بالنسبة لهم، وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن فايسبوك وغيرها من مالكي التطبيقات يتيحون إيقاف تعقب البيانات، لكنهم يجعلون من الأمر صعباً إلى درجة يعجز فيها حتى المستخدمون الأكثر إطلاعاً ومعرفة بعالم التطبيقات، من القيام بهذه الإجراءات من خلال إعدادات التطبيق Settings.  

لكن هذا الإجراء ليس جديداً بشكل كلي، إذ كانت "أبل" أطلقت في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي تحديثاً لهاتفها ايفون iOS13 تميّز يومها بتغيرات كثيرة، خصوصاً في مجال الخصوصية والأمان، إلا أن أهم ميزة يومها كانت مراقبة التطبيقات التي تقوم بتجميع بيانات عن المستخدمين، وتنبيه المستخدم إلى حدوث هذه العمليات من خلال رسائل يتم توجيهها إلى المستخدم على شاشة هاتفه، يومها عبّرت "أبل" عن رفضها للطريقة التي تجمع فيها فايسبوك وغوغل البيانات الشخصية، غير إنها لم تكن حاسمة حيال منع هذه النشاطات، واعتبرت أن تجميع بيانات من دون حاجة واضحة لها ومن دون علم المستخدم أو وعيه الكامل لذلك، هو عملياً خرق مكشوف لخصوصية المستخدم. ومع الإجراء الجديد، ستبدأ "أبل" بتوجيه رسالة إلى المستخدم، تقول فيها: "شركة X تطلب الإذن بتتبعك في مختلف التطبيقات والمواقع التي تملكها شركات أخرى. بياناتك ستُستخدم لتوجيه إعلانات مخصّصة لك. هل تريد السماح بذلك؟".

 

 

اقرأ أيضاً: 

أخطر من القنبلة النووية.. الجيل الخامس ومفاتيح التفوّق العالمي

 


ما هي "النمذجة النفسية"؟

 

قد يكون من المفيد العودة إلى قضية فايسبوك و"كامبردج أناليتيكا" لتسليط الضوء على عملية "النمذجة النفسية"، من المعروف أنه خلال الحملات الإعلامية السياسية تماماً كتلك المرتبطة بالمنتجات والأفكار، تُجنّد الأحزاب وجماعات الضغط شركات إعلامية لكسب التأييد واستمالة الناخبين. قبل العصر الرقمي، كانت الشركات الإعلامية ووكالات العلاقات العامة تلجأ إلى وسائل الإعلام التقليدية كالمجلات والصحف وإعلانات الراديو وحتى إعلانات الطرقات، للفوز بتأييد المُستهدفين من ناخبين أو مستهلكين، لكن بعد التحوّل الرقمي، وغزو وسائل التواصل الاجتماعي لعقول الجماهير، بات بتصرّف المسوّقين ومسؤولي الحملات الإعلامية أدوات خطيرة للغاية لم تكن لتخطر ببالهم. ويمكن للبيانات الكبيرة Big Data التي يتم تجميعها عن الجماهير، تحديد ميولهم السياسية على سبيل المثال، تمهيداً لاستهدافهم بحملات، طمعاً بتغيير آرائهم. كامبردج أناليتيكا على سبيل المثال، استخدمت ما تسمّيه "النمذجة النفسية" Psychological Profiling  لتحديد وتعريف توجّهات الناخبين تمهيداً للتأثير على قرارهم في الانتخابات الرئاسية الأميركية التي جاءت بالرئيس دونالد ترامب. ويقول عالم النفس والبروفسور المساعد لقسم السلوك المؤسساتي في جامعة ستانفورد مايكل كوسنسكي في مقابلة منشورة على موقع الجامعة على الانترنت إن الأبحاث الجديدة، تؤكد أن هذا النوع من الاستهداف السيكولوجي للناس المتمثّل في "النمذجة النفسية" ليس فقط ممكناً "بل أيضاً فعّال كأداة إقناع رقمية للجماهير".

 

 

اقرأ أيضاً:

 هل تواجه نظارات "أبل" الذكية مصير نظارات غوغل؟

 


انعكاسات خطوة "أبل"

 

لكن ما هو الجديد في خطوة "أبل"؟ تحديث نظام التشغيل الجديد سيجعل من الصعب للغاية على فايسبوك وغيرها تتبّع المستخدمين وجمع البيانات عنهم من جانب مالكي التطبيقات، خصوصاً منها تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي. وبغياب التتبع الأمثل، لن يكون ممكناً إيصال الإعلان إلى الشخص المناسب أو جعل عملية الاستهداف الإعلانية الدقيقة المُعتمدة لدى فايسبوك ممكنة. واحدة من الأمور التقنية التي ستمنع "أبل" الشركات الأخرى من الاعتماد عليها هي "بطاقة هوية" الهاتف، وهي التي تميّز المستخدم عن غيره وتتيح مراقبة سلوكه. طبعاً، هذا الحرمان من الهوية، لن يمنع فايسبوك من الوصول إلى الشخص المُستهدف، لكنه سيمنعها من متابعة المواقع الأخرى التي يزورها، وسيحرمها من المراقبة الدقيقة لتصرفاته على الهاتف. تالياً، ستصبح مهمة "النمذجة النفسية" المُعتمدة أكثر صعوبة، ما سيحرمها من تحقيق فهم واسع لرغباته وتوجهاته وتفضيلاته، وغيرها من الأمور التي تساهم بمساعدة المُعلن على موقع فايسبوك، من تحقيق مبيعات أكثر. من جهة أخرى، ستعمد "أبل" إلى منع فايسبوك من الحصول على ما يُسمّى تقنياً IDFA (تجميع مُحددات Identifiers من جهاز أيفون لمصلحة المعلنين)، وهذا بدوره سيكون عاملاً حاسماً في حماية خصوصية وبيانات المستخدمين، وليس هناك أدنى شك في أن الخطوة التي اتخذتها "أبل" ستعزّز من حماية خصوصية المستخدمين على هاتف ايفون، إلا أنها لن تكون سوى الخطوة الأولى على طريق الألف ميل لتحقيق حماية متكاملة لمستخدمي الهواتف وغيرها من الأجهزة الرقمية في عالم بات أكثر ترابطاً على المستوى الرقمي من أي يوم مضى.