الدرس الذي تتعلمه اسواق الطاقة في زمن الحرب

  • 2022-09-15
  • 22:31

الدرس الذي تتعلمه اسواق الطاقة في زمن الحرب

  • أحمد عياش

بعد مضي ما يقارب نصف السنة تقريباً على اندلاع الحرب في اوكرانيا، ووسط مؤشرات إلى أنها قد تستمر حتى الشتاء المقبل، لا بدّ ان هناك درساً قد تعلمته أسواق الطاقة، لكنه لم يكن وارداً لولا لم تندلع هذه الحرب. وقد لخص الكاتب المعروف توماس فريدمان في مقاله الاخير في النيويورك تايمز هذا الدرس قائلاً: "أتمنى أن أقول على وجه اليقين أن بوتين سيفشل...لكنني لا أستطيع إلا إذا توقفت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون عن العيش في عالم خيالي أخضر".

في وقت متزامن مع ما كتبه فريدمان، اوردت الفايننشال تايمز "تحذير صناعة النفط الصخري الأميركية من أنها لا تستطيع إنقاذ أوروبا بزيادة إمدادات النفط والغاز هذا الشتاء وسط مخاوف من أن يؤدي انخفاض الصادرات الروسية إلى ارتفاع أسعار النفط الخام إلى ما فوق 100 دولار للبرميل"، وأشارت الصحيفة البريطانية الى انه على الرغم من تراجع أسواق النفط في الأسابيع الأخيرة، إلا "أن فترة الراحة قد تنتهي عندما يدخل حظر الاتحاد الأوروبي على المبيعات الروسية حيز التنفيذ الكامل في وقت لاحق من هذا العام".

ما أشارت اليه الصحيفة عن "فترة الراحة"، فقد عكستها الاسواق هذا الاسبوع. فقد اوردت وكالة رويترز اليوم الخميس، ان أسعار النفط تراجعت بعدما تجاوزت مخاوف ضعيفة بشأن زيادة كبيرة في مخزونات الخام في الولايات المتحدة بالإضافة إلى الدولار القوي.

لكن أسعار النفط، وقبل يوم واحد من تراجعه الاخير ارتفعت بدعم من توقعات قوية لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) حول نمو الطلب على النفط.

على الرغم من ان هذه التقلبات في الأسعار تبدو مرحلية، لا بدّ من قراءة التوقعات على مدى يتجاوز يوميات الأسواق. من هذه التوقعات، تأكيد أوبك استمرار نمو الطلب العالمي على النفط في عاميّ 2022 و2023، مستشهدة بإشارات على أن الاقتصادات الرئيسية تؤدي بصورة أفضل من المتوقع رغم الظروف المعاكسة مثل ارتفاع التضخم، وقالت المنظمة في تقرير شهري إن الطلب على النفط سيزيد 3.1 ملايين برميل يومياً في 2022 و2.7 مليون برميل يومياً في 2023.

غير إن الوكالة الدولية للطاقة خفضت من توقعاتها بالنسبة للطلب على النفط عالمياً، وأرجعت ذلك لضعف الاقتصاد الصيني. وقالت الوكالة إنه من المتوقع ارتفاع الطلب اليومي بواقع مليوني برميل (159 لتراً) فقط وهو أقل بنحو 110 آلاف برميل مقارنة بالتوقعات السابقة، ليصل إلى نحو 7.‏99 مليون برميل خلال العام 2022. وأرجعت الوكالة خفض التوقعات إلى إجراءات الإغلاق في الصين، حيث تسعى بكين للقضاء على فيروس "كورونا" من خلال القيود الصارمة. ومن المتوقع انخفاض الطلب اليومي في الصين بواقع 420 ألف برميل خلال العام الحالي، بحسب ما قالته الوكالة، وهو انخفاض كبير مقارنة بالتوقعات السابقة.

لكن وكالة الطاقة الدولية نفسها، توقعت تحولاً واسع النطاق من الغاز إلى النفط لأغراض التدفئة، قائلة إن الطلب الإضافي على النفط سيبلغ في المتوسط 700 ألف برميل يومياً في تشرين الأول/ أكتوبر 2022 إلى آذار مارس 2023 - ضعف المستوى الذي كان عليه قبل عام، ولفتت الوكالة الى أن المخزونات العالمية المرصودة انخفضت بمقدار 25.6 مليون برميل في تموز يوليو الماضي.

وقالت السعودية، أكبر مصدر للنفط، لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، إنها حققت زيادة أكبر في آب اغسطس مما ذكرته المصادر الثانوية، ما رفع الإنتاج إلى ما يزيد قليلاً على 11 مليون برميل يومياً، بزيادة قدرها 236 ألف برميل يومياً عن تموز/ يوليو، ورأت المملكة إن طاقتها القصوى تبلغ 12 مليون برميل يومياً وتساءلت بعض مصادر الصناعة عما إذا كان بوسع البلاد ضخ 11 مليون برميل يومياً لفترة طويلة جداً.

بالعودة الى الفايننشال تايمز، فقد كتبت تحت عنوان، "زعماء النفط الصخري في الولايات المتحدة يقولون لأوروبا: لا توجد خطة إنقاذ قادمة" تقول إن المسؤولين التنفيذيين في هذه الصناعة يقولون إنهم "لا يستطيعون زيادة إمدادات النفط والغاز في الوقت المناسب لوقف أزمة الطاقة الشتوية." وقال هؤلاء المسؤولون" الذين يجلسون على احتياطات هائلة من النفط والغاز الطبيعي والتي يمكن استخدامها للتخفيف من أزمة الطاقة الأوروبية، إنهم لن يكونوا قادرين على زيادة الإمدادات بسرعة كافية لمنع نقص الشتاء". وبحسب قول ويل فانلوه، رئيس مجموعة الأسهم الخاصة Quantum Energy Partners، أحد أكبر المستثمرين في رقعة الصخر الزيتي:"ليس الأمر كما لو أن الولايات المتحدة يمكنها ضخ المزيد. إنتاجنا هو ما هو عليه"، وأضاف فانلوه: "لا توجد خطة إنقاذ قادمة". 

بدورها، حذرت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين هذا الأسبوع من أن الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة على روسيا "قد يتسبب في ارتفاع أسعار النفط"، وتكافح الحكومة الأميركية منذ أشهر لخفض أسعار النفط الخام والبنزين، والتي سجلت مستوى قياسياً مرتفعاً في وقت سابق من هذا العام وأثارت قلق إدارة بايدن قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/ نوفمبر. ودعا البيت الأبيض منتجي النفط الصخري إلى زيادة المعروض، حيث وصفت وزيرة الطاقة جنيفر غرانهولم البلاد بأنها على "أساس حربي"، وقالت يلين إن الولايات المتحدة تعمل مع حلفاء مجموعة السبع لاقتطاع إعفاءات محتملة من الحظر الروسي لتجنب صدمة في الإمدادات.

يقول فريدمان في مقاله في النيويورك تايمز:"على الرغم من كل استثمارات الرياح والطاقة الشمسية في السنوات الخمس الماضية، لا يزال الوقود الأحفوري - النفط والغاز والفحم – يمثل 82 في المئة من إجمالي استخدام الطاقة الأولية في العالم في العام 2021 (المطلوب لأشياء مثل التدفئة والنقل وتوليد الكهرباء)، بانخفاض ثلاث نقاط مئوية فقط في تلك السنوات الخمس. في أميركا وحدها في العام 2021، كان نحو 61 في المئة من توليد الكهرباء من الوقود الأحفوري (الفحم والغاز الطبيعي في المقام الأول) في حين كان نحو 19 في المئة من الطاقة النووية ونحو 20 في المئة من مصادر الطاقة المتجددة".

ولفت فريدمان النظر الى ما ذكرته صحيفة الفايننشال تايمز من انه من دون إمدادات بديلة كافية بأسعار معقولة من الغاز الطبيعي، اضطرت بعض المصانع في أوروبا إلى الإغلاق، لأنها غير قادرة على دفع تكلفة الوقود فقالت الصحيفة: "ان فواتير الطاقة - التي ارتفعت بنسبة 400 في المئة في بعض الدول الأوروبية - تدفع المستهلكين إلى ما يقرب من الفقر".

وخلص المعلق الاميركي الى القول:" إذا أردنا خفض أسعار النفط والغاز إلى مستويات منخفضة بشكل معقول لتشغيل الاقتصاد الأميركي، وفي الوقت نفسه، مساعدة حلفائنا الأوروبيين على الهروب من قبضة روسيا الواضحة بينما نقوم جميعاً أيضاً بتسريع إنتاج الطاقة النظيفة - نسميها "ثالوث الطاقة" - فنحن بحاجة إلى خطة انتقالية توازن بين الأمن المناخي، أمن الطاقة والأمن الاقتصادي".

ما لم يصفه كليفورد كراوس في التقرير الذي أعدّه للنيويورك تايمز بشأن "توسيع  شراكة الدولتيّن المنتجتيّن للنفط – السعودية وروسيا" بـ"الواقعية " لجهة "استثمار شركة المملكة القابضة في المملكة بهدوء أكثر من 600 مليون دولار في شركات الطاقة الثلاث المهيمنة في روسيا،" لكنه إستشهد بقول غريغوري غوس، الخبير في سياسة الشرق الأوسط في جامعة تكساس إيه آند إم، الذي رأى ان "هذا الاستثمار السعودي الكبير في قطاع الطاقة الروسي هو محاولة لزيادة مواءمة المصالح السعودية والروسية في الحفاظ على الأسعار".

وبحسب هيليما كروفت، رئيسة استراتيجية السلع العالمية في آر بي سي كابيتال ماركتس، فإنه "من وجهة النظر السعودية، هم بالتأكيد لا يريدون أن يضعوا أنفسهم في وسط نزاع غربي روسي".

هل هذا هو الدرس الذي تتعلمه اسواق الطاقة في زمن الحرب؟ ليس من جواب واحد، وسط الانقسام في العالم حول الحرب الاوكرانية. لكن بالتأكيد ان هناك درساً حول كيفية استمرار العالم في البقاء في زمن الحروب.