الوسيط الاميركي: العرض الاخير لترسيم حدود لبنان البحرية!

  • 2022-02-12
  • 15:14

الوسيط الاميركي: العرض الاخير لترسيم حدود لبنان البحرية!

  • أحمد عياش

منذ ان أصبح آموس هوكشتاين مساعداً لوزير الخارجية الاميركية لشؤون الطاقة قبل أحد عشر عاماً، وهو تقريباً يتابع ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. لكنها هي المرة الاولى، بعد أكثر من عقد من السنين، يطل فيها على بيروت، ليعلن تقريباً ان لبنان أمام فرصة أخيرة للإستفادة من ثرواته الغازية والنفطية، والتي تتركز في المنطقة المحاذية او المتداخلة على تلك الحدود. فهل ينطوي كلام الوسيط الاميركي هذا على تهديد أم ماذا؟ وما هو الموقف اللبناني الرسمي الذي سمعه هوكشتاين من المسؤولين اللبنانيين عندما التقاهم في زيارته القصيرة للعاصمة اللبنانية هذا الاسبوع؟ وما هي التوقعات بشأن هذا الملف الاقتصادي المعقّد العالق في الشرق الاوسط؟

قبل ان يصل الى بيروت، زار هوكشتاين إسرائيل في مستهل الجولة الجديدة بعد آخر جولة قام بها في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني العام الماضي، وهناك، التقى وزيرة الطاقة الإسرائيلية كارين الهارر، التي قالت للمبعوث الأميركي إن إسرائيل تريد التوصل إلى اتفاق وترغب في النظر في "حلول خلاقة" طالما يتم الحفاظ على مصالحها الأمنية والاقتصادية،" حسبما أبلغ مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى لموقع "أكسيوس" الأميركي. ورفض المسؤول الإدلاء بأي تفاصيل حول اقتراح هوكشتاين، بيد انه اكد ان المبعوث الاميركي يرى فرصة للتوصل الى اتفاق ويريد محاولة التوصل الى اتفاق في اسرع وقت ممكن.

ومن إسرائيل الى لبنان، حيث اتسعت رقعة اللقاءات التي اجراها الوسيط الاميركي، وهي شملت كبار المسؤولين السياسيين والامنيين، وهذا إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على ان الموقف في بيروت ليس موحداً، ولا بدّ من بعض الوقت لكي يتم تظهيره، وهذا ما لم يكتمه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بعدما التقى هوكشتاين، فصرّح انه سيجري مشاورات مع رئيسيّ الجمهورية ميشال عون ومجلس النواب نبيه بري، لكي يتم البحث في "الاقتراحات الجديدة" التي يحملها الوسيط الاميركي، لتحديد الموقف اللبناني" حسبما افاد بيان صادر عن المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة.

ما هي هذه "المقترحات الجديدة" التي تحدث عنها رئيس الحكومة اللبنانية؟  يجيب هوكشتاين على هذا السؤال، برسم صورة شاملة لمسألة ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، خلال المقابلة التلفزيونية التي أجرتها معه المؤسسة اللبنانية للارسال الدولية LBCI، فيقول : "بعد 10 سنوات من هذه المناقشات، فقد حان الوقت للانتقال إلى اتفاق. جئنا إلى هنا في تشرين الثاني/نوفمبر، وقد كنت في إسرائيل أخيراً، والآن نحن في مرحلة أفهم فيها مواقف الطرفين وأعتقد أننا في لحظة تضييق تلك الفجوات".

وذهبت مواقع الكترونية لبنانية الى توضيح الى ما قصده بـ"تضييق الفجوات" في المواقف بين لبنان وإسرائيل والناجمة أخيراً عن الرسالة التي بعثت بها وزارة الخارجية اللبنانية بناء لاوامر رئاسة الجمهورية الى الامم المتحدة، تؤكد فيها ان مساحة المناطق المتنازع عليها تبلغ 1430 كيلومتراً مربعاً بالاضافة الى الـ 860 كيلومتراً مربعاً السابقة التي تتمسك بها إسرائيل. وتقوم خطّة هوكشتاين على وقف الحديث عن الخطوط البحريّة، ولاسيما  1 و23 و29، والبدء في البحث في تقاسم كلّ الحقول المُتنازع عليها، وخصوصاً حقل "قانا" الذي يقع في الجانب اللبناني ويمتد الى إسرائيل، وحقل "كاريش" الذي يقع في الجانب الإسرائيلي ويمتد داخل لبنان. ووفق هذا النهج، لم تعد هناك من حاجة لكي يكون هناك عمل مشترك بين لبنان وإسرائيل للاستثمار في هذه الحقول، بسبب عدم وجود علاقات دبلوماسية بين البلدين، كما يلغي هذا النهج التحفظات التي صدرت عن الجانب اللبناني في هذا المجال. وفي هذا الصدد، صرّح هوكشتاين: "أعتقد أنني متفائل جداً، وواثق من أنه سيكون هناك موقف موحد في لبنان، وكذلك سيكون هناك موقف موحد في إسرائيل، ما يجعلنا قادرين على المضي قدما".

وأسهبت مصادر رسمية في شرح مقترحات الوسيط الأميركي، فذكرت انها تقوم على "تحديد كل الحقول في المنطقة المتنازع على ان تتم عملية توزيعها بالاتفاق عبر الوسيط الاميركي. وسيقدم الأخير كجهة ضامنة  مقترحاً عملياً لتوزيع محدد للحقول، وفق ألية لكيفية التعاطي مع أي امر مستقبلي في حال اكتشاف حقول جديدة غير تلك الموجودة حالياً والتي سيتم التفاوض حولها".

من الأسئلة الواردة آنفاً، حول الموقف الرسمي من مقترحات هوكشتاين، وهل بالإمكان ان يكون موحداً، يشير رئيس الجمهورية الذي يعطيه الدستور صلاحيات إجراء المفاوضات الخارجية، الى انه ابلغ الوسيط الأميركي ان مقترحاته "سيتمّ درسها انطلاقاً من إرادة الوصول إلى حلول لهذا الملف، وسوف يستمرّ التواصل مع الجانب الأميركي تحقيقاً لهذه الغاية" وفق المعلومات الرسمية.

في موازاة ذلك، تفيد معلومات، أوردتها صحيفة "الشرق الأوسط"  نقلاً عن مصدر لبناني، قالت إنه اطلع على فحوى اللقاءات التي أجراها هوكشتاين، إن الجو "إيجابي جداً"، كاشفاً لـلصحيفة عن أن لبنان يتوقع نتائج حاسمة "في مهلة أسابيع، ولا تتعدى الشهرين.

يشار الى ان المهلة التي يشير اليها "المصدر اللبناني"، تعني انها ستكون في الفترة الممتدة بين منتصف فبراير/ شباط الحالي ومنتصف أبريل/ نيسان المقبل. ورافقت الكلام عن هذه المهلة تكهنات تفيد ان المسؤولين في لبنان ينتظرون ما ستؤول اليه المفاوضات النووية بين الغرب وإيران والمستمرة حالياً في فيينا، كي يقدموا على تحديد موقفهم النهائي من مقترحات الوسيط الأميركي، وتبرير هؤلاء المسؤولين لهذا الانتظار هو أنه ناجم عن الاخذ في الاعتبار نفوذ "حزب الله" الذي له كلمته على هذا الصعيد، والذي سيتبلّغ من الجهات الرسمية المقترحات الأميركية.

من الصعب حالياً، الحديث عما ستؤول اليه الأمور المتصلة بترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، لكن ما قاله هوكشتاين قبل مغادرته بيروت ينطوي على صراحة لم تكن معهودة منه من قبل. فهو قال:"ما هو مطروح على الطاولة الآن، هو المحك، ما يتعيّن على الشعب اللبناني، إما أن يكسبه وإما ان يخسره.  في الوضع الراهن هناك  الخسارة، لذلك لا أعتقد أن الوقت قد فات، ولكن أنا أيضاً لا أعتقد أن لدينا 10 سنوات أخرى من المفاوضات التي يتعين القيام بها، وهو أنه علينا أن نتخذ قراراً".

إذاً، لم يوصد الوسيط الاميركي الابواب، كما يمكن الاستنتاج مما قاله. قد تكون هذه من مقتضيات اللغة الدبلوماسية، لكن في موازاة ذلك، يشدد المراقبون على ان دعوة هوكشتاين المسؤولين الى إتخاذ قرار، تعني القيام بذلك قريباً، لأن الظروف التي تبدو مؤاتية للحصول على إتفاق بشأن هذا الملف، قد لا تتكرر، خصوصاً في ظل ظروف متبدّلة في المنطقة ولبنان حيث هناك أزمات متفاقمة تنذر ولا تبشر. وكأن هوكشتاين قال ضمناً للمسؤولين في لبنان: إنه العرض الاخير، فهل ستغتنموه؟