ميزانية 2022 السعودية تكرّس التوازن المالي وتفتتح مرحلة فوائض وتمويل للاستثمارات

  • 2021-12-14
  • 15:36

ميزانية 2022 السعودية تكرّس التوازن المالي وتفتتح مرحلة فوائض وتمويل للاستثمارات

  • رشيد حسن

يمكن النظر إلى ميزانية المملكة العربية السعودية للعام 2022 باعتبارها منعطفاً فاصلاً في تطور الميزانيات السعودية وذلك من نواحٍ أساسية أهمها:                                                       

1 - هي أول ميزانية تسجل فائضاً مالياً منذ العام 2014، إذ يتوقع أن تحقق نحو 24 مليار دولار في العام 2022 في مقابل عجز بلغ نحو 2.7 في المئة من الناتج المحلي في العام 2021.

 

بين ميزانيتين*

الميزانية 2021 2022
الإيرادات 930 1045
النفقات 1015 955
الفائض/العجز 85- 99
معدل النمو 2.9 7.4
مليار ريال سعودي*

 

 

2 - هي ميزانية تعكس نجاح السعودية في تجاوز المرحلة الصعبة لجائحة كورونا والتي كبّدت الاقتصاد والخزينة السعودية موارد مالية كبيرة نتيجةً لتراجع أسعار النفط وحجم الصادرات في العام 2020، وكذلك نتيجةً لانكماش النشاط الاقتصادي والتجاري، وحركة السفر، والسياحة إلى المملكة، وبالنظر الى التكلفة الكبيرة لبرامج الدعم المالي للقطاع الخاص والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن التكلفة الإجمالية لبرامج مكافحة الوباء وتطبيق الإجراءات الصحية والعلاجية للمواطنين والمقيمين على حد سواء. ونتيجة لتلك الفترة الصعبة، فقد ارتفع عجز الميزانية السعودية إلى 11.2 في المئة من الناتج المحلي في العام 2020. لهذه الأسباب، فإنه، وحسب تقرير لـ"رويتر"، فإن السعودية كانت حتى مطلع شهر تشرين الأول/أكتوبر في معرض إرساء ميزانياتها على تقديرات لسعر النفط تتراوح ما بين 50 و55 دولاراً للبرميل، إلا أن الارتفاع المتسارع في أسعار النفط والزيادة الإضافية في الإنتاج جعلتها ترفع توقعاتها لمداخيل الميزانية بنسبة 15.7 في المئة ولسعر النفط إلى رقم أقرب إلى 70 دولاراً للبرميل.  

3 -  إن الفائض المتوقع في الميزانية السعودية للعام 2022 يأتي ليس فقط نتيجة لارتفاع أسعار النفط وحجم الإنتاج (والصادرات) بل يأتي نتيجةً للتعديل المستمر في دور الميزانية العمومية باتجاه تحويل الجزء الأكبر للإنفاق الاستثماري وتمويل مبادرات الرؤية من الميزانية العادية إلى مؤسسات حكومية متخصصة على رأسها صندوق الاستثمارات العامة.

4 - تدشن ميزانية 2022 عهداً من أسعار النفط القوية بعد مرحلة من الهبوط والتراجع في العائدات النفطية بدأ منذ العام 2014، وحسب "جي. بي. مورغان" فإنه من المتوقع أن تراوح أسعار النفط حول الرقم 80 دولاراً للبرميل لسنوات عدة مقبلة، علماً أن نفط "برنت" يتم تداوله حالياً بسعر 75 دولاراً للبرميل، وستوفر مرحلة الوفرة المتوقعة دفعاً ثميناً لخطط التحول التي أطلقتها "رؤية 2030" والتي تتضمن حسب ما أعلن عنه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في وقت سابق من العام إنفاق نحو 3 تريليونات ريال سعودي بحلول العام 2030 على المشاريع الكبرى المتعددة التي يتضمنها "برنامج التحول الوطني".

5 - تمثل ميزانية 2022 استمراراً لسياسة التوازن المالي الذي ستحققه المملكة قبل التاريخ المحدد بالعام 2023 كما إنها تجسّد تمسك القيادة السعودية بثوابت واضحة للسياسة المالية أهمها الانضباط المالي وتعزيز فعالية الإنفاق وإبقاء الأنظار مثبتة على أهداف المدى الطويل، وذلك بعد أن كانت الميزانية تمثل عموماً ترجمة مباشرة لما تحققه المملكة (أو تتوقع تحقيقه) من مداخيل نفطية في المدى القصير، وبعد أن كان برنامج الإنفاق الحكومي يتأثر بصورة مباشرة صعوداً أو هبوطاً بالتغيرات التي تطرأ على تلك العائدات وعلى السوق النفطية العالمية. بتعبير آخر، لقد تمّ وضع سقف للإنفاق ليس مرتبطاً بمعدلات الدخل من النفط، بل باعتبارات طويلة الأمد تأخذ في الاعتبار قدرات الاقتصاد السعودي غير النفطي أيضاً، وقدرة الدولة على ضبط الإنفاق وتعزيز فعاليته، وتوليد المداخيل من القطاع غير النفطي، ثم قدرة الاقتصاد على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية. ومن أهم نتائج هذه السياسة، تحقيق الاستدامة في الإنفاق والاستقرار في السياسة المالية بدل التأرجح السابق بين مراحل بحبوحة وفورة ومراحل تقشّف وانكماش.

6 - كان من اللافت للانتباه إعلان وزارة المالية السعودية عن أن المملكة لن تزيد الإنفاق العام المقبل رغم توقع تحقيق تحسن كبير في العائدات النفطية بالمقارنة مع العام 2021 بل إنها ستنفذ خفضاً إضافياً بنحو 6 في المئة (بالمقارنة مع العام 2021) كما إنها ستقوم بتوجيه الفوائض المالية المحققة لتعزيز احتياطات الدولة المالية وفي الوقت نفسه تعزيز موارد المؤسسات الحكومية الاستثمارية مثل صندوق الاستثمارات العامة والصندوق الوطني للتنمية. ويتوقع بصورة خاصة أن يتم استخدام قسم من تلك الفوائض لتعزيز مشاريع "رؤية 2030" ومبادرات استراتيجية مثل برنامج "شريك" الذي يعتمد على دور تمويلي أساسي للدولة عبر صندوق الاستثمارات العامة.

7 - تعتبر ميزانية 2022 الميزانية الثانية بعد ميزانية العام 2021 التي تمثل فيها المداخيل غير النفطية للميزانية نحو 43 في المئة من الإجمالي بعد أن كانت هذه المداخيل لا تمثل سوى 25 في المئة من الإجمالي في العام 2020 ونحو 14 في المئة في العام 2019. أظهرت السعودية في السنوات القليلة الماضية تطوراً مستمراً في التشريع الضريبي وجديّة متزايدة في تنفيذ سياساتها الضريبية ورفع مستويات الجباية، بل هي بدأت تفرض غرامات باهظة على مخالفات التهرب الضريبي. وتعكس هذه القفزة الكبيرة في المداخيل الضريبية للميزانية السعودية التنامي الكبير لدور المكون الضريبي في الاقتصاد غير النفطي السعودي والدور المتزايد الذي باتت تلعبه التكليفات المالية المختلفة (وخصوصاً ضريبة القيمة المضافة) في اقتصاد المملكة وفي التنظيم المالي للدولة السعودية.

8 - إن العامل المهم الذي يتوقع أن يساعد الإنفاق الحكومي وسياسات التوازن المالي في تحقيق مناعة الاقتصاد السعودي وتنوع مرتكزاته هو الاستثمار الأجنبي. وفي هذا المجال، فإن المملكة بدأت حسب وزير الاستثمار خالد الفالح تحقق تحسناً ملحوظاً في تدفقات الاستثمار الأجنبي إلا أنها ما زالت تحتاج لتحقيق اختراقات ملحوظة، ومثل هذه الاختراقات تعتمد على سرعة العمل على تطوير منظومة القوانين التجارية والمدنية وخصوصاً تلك الناظمة للاستثمار وعمل الشركات الأجنبية في السعودية. وحسب وزارة الاستثمار، فقد استقطبت المملكة نحو 1.4 مليار دولار خلال النصف الأول من العام 2021  في مقابل استقطاب نحو 5.5 مليارات دولار خلال العام 2020 ونحو 8 مليارات دولار في العام 2015. وتستهدف "رؤية 2030" أن تمثل الاستثمارات الأجنبية نحو 5.7 في المئة من الناتج المحلي بحلول العام 2030.