طائر الفينيق "الرقمي"

  • 2020-10-04
  • 11:04

طائر الفينيق "الرقمي"

  • بول فنغ

الرئيس التنفيذي لشركة Huawei Levant

يواجه لبنان أزمة مالية تصاحبها أزمة اقتصادية بأبعاد اجتماعية، وقد علّمتنا التجارب أن قطاع الاتصالات والتكنولوجيا يستطيع التخفيف من حدة الأزمات والمساعدة على الخروج منها، ولهذا ربما سيكون من المناسب حصول قطاع الاتصالات في لبنان على عناية وسياسات خاصة تتيح توفير الدعم له لتمكينه من مساعدة باقي القطاعات الاقتصادية. دعم هذا القطاع هو جزء من حل الأزمة الاقتصادية في لبنان، وهو يمكّن الدولة من إيجاد الحلول في باقي القطاعات الاقتصادية، كما لدينا قناعة من أن وجود قطاع اتصالات ومعلوماتية مزدهر خلال هذه الأزمة المالية والاقتصادية، سيمكّن الحكومة من إيجاد الحلول ويمكّن القطاع العام من تقديم يد العون خلال تنفيذ سياسات الإصلاح الاقتصادي والمالي المُرتقبة، كما إن قطاع الاتصالات يستطيع هو بذاته إن أُحسن تطويره، المساهمة برفع إيرادات خزينة الدولة. 

لكن هذا القطاع يحتاج إلى استثمارات لكي يستمر ويزدهر. ومن جهة أخرى، الجميع يعلم أن تكنولوجيا قطاع الاتصالات يتطوّر بسرعة، ومن الأهمية بمكان المحافظة على هذا القطاع من خلال الاستمرار بالاستثمار في المجالات الضرورية، ومن دون هذه الاستثمارات، لن يتمكن قطاع الاتصالات في لبنان من مواكبة التطورات، وسيصبح غير قادر على المنافسة من جهة وعلى دعم باقي القطاعات الاقتصادية من جهة أخرى. أبرز مثال في هذا المجال هو الجيل الخامس من شبكات الاتصالات النقالة الذي بدأ بالانتشار في المنطقة. في لبنان لم يتم البحث بعد بفرص نشر هذا الجيل الجديد، لكن من البديهي القول إن تطوير الشبكة يسمح بتقديم خدمات أفضل تتمتع بنوعية حديثة.

لا يمكن برأينا المحافظة على اقتصاد قوي من دون قطاع اتصالات مزدهر، كما لا يمكن تطوير الشبكات من دون المورّدين الدوليين، لأن الموردين المحليين لا يمتلكون المعدات والحلول والتقنيات المطلوبة. ولتحقيق استمرارية عمل المورّد الدولي يجب أن يتمكن من تحويل الدولارات إلى الخارج لشراء المعدات وجلبها إلى لبنان، لذلك نحن نتطلع إلى توصّل الحكومة المقبلة إلى سياسة خاصة تتيح لنا العمل بشكل طبيعي في السوق، خصوصاً لجهة تمكين المورّدين الدوليين من تحويل الأموال إلى خارج لبنان. 

 

12 عاماً من النجاح 

 

هواوي هي من بين الشركات التي تساهم بدعم النشاط الاقتصادي بشكل كبير، ولا تقتصر مساهمتنا على دعم السوق المحلية والنشاطات الاقتصادية فقط، إذ نعمل أيضاً مع أكثر من 30 مورّداً في لبنان.

أما على صعيد أعمالنا في مجال التجزئة الخاص بالأجهزة والهواتف، فنعمل مع أكثر من 1000 نقطة مبيع، وبهذا فنحن نساهم بشكل متزايد برفع معدلات التوظيف في لبنان، وقد كان لنا دور غير مباشر بإيجاد 2000 وظيفة في لبنان خلال الفترة الماضية، قلة من الشركات الدولية في لبنان ساهمت بتحقيق النتائج الإيجابية التي نحققها في السوق المحلية وخلق الوظائف.   

لقد افتتحت هواوي مكتبها في لبنان العام 2008 أي منذ 12 عاماً، ونحن شركة عالمية فتية لا يزيد عمرها على 32 عاماً، وخلال الفترة التي أمضيناها في لبنان، ارتفع عددنا إلى نحو 100 موظف، وبات لدينا حالياً ثلاثة أقسام للأعمال تقدم خدماتها في قطاعات الشبكات والشركات والمؤسسات والأجهزة، ونحن نعمل بفعالية ونجاح مع شركات ومؤسسات أساسية في لبنان، مثل مشغل الاتصالات النقالة "تاتش" وهيئة "أوجيرو"، كما لدينا علاقات ناجحة مع مختلف اللاعبين الأساسيين في قطاع الاتصالات. 

كما بدأنا منذ ثلاث سنوات بتفعيل نشاطاتنا في قطاع الشركات، حيث نقدم الخدمات كافة التي تساهم في عملية التحوّل الرقمي الشاملة، ونزوّد الشركاء بالحلول التكنولوجية كافة التي تسمح لهم بالنمو والتطوّر، كذلك نعمل مع المؤسسات الحكومية والقطاع المصرفي حيث نزوّد مثلاً بنك BLF بمجموعة من الخدمات. 

 

الإتصالات تدعم التنمية 

 

يمتلك قطاع الاتصالات أهمية كبرى في مختلف بلدان العالم، تماماً كما هي الحال في لبنان، وبات واضحاً لمختلف بلدان العالم أن ارتفاع عدد مشتركي البرودباند لديها بنسبة 10 في المئة يساهم في رفع الناتج المحلي ما بين 2 و3 في المئة. ومن الأهمية بمكان، أن تستمر الدول بتطوير بنيتها التحتية في قطاع الاتصالات للمحافظة على قدراتها التنافسية في مختلف المجالات، وبالأخص في المجال الاقتصادي.

في الماضي، كنا نتحدث عن أهمية توفير بنية تحتية مناسبة لتزويد المشتركين بخدمات الاتصالات الصوتية، أما اليوم فباتت الاتصالات البيانية Data الخاصة بالإنترنت هي محور التطوير والهدف الأساسي، لأنها تترك تأثيرات إيجابية في مختلف المجالات المتعلقة سواء بالمجتمع أو بالقطاعات الاقتصادية إضافة إلى التعليم والنقل والسلامة العامة والرعاية الصحية وغيرها، كل الدراسات الخاصة بالتكنولوجيا والاتصالات، تركز على أهمية تأمين خدمات الاتصالات المستقرة والمتطورة، في أي بلد يطمح لأن يكون قادراً على تحقيق النمو الاقتصادي.

والجميع يعلم في لبنان أن قطاع الاتصالات والمعلوماتية هو الحجر الأساس لتطوير الاقتصاد والانطلاق نحو دعم الابتكار والتطوير في مختلف القطاعات، من جهة أخرى يلعب هذا القطاع في لبنان دوراً أساسياً في رفع الإيرادات الحكومية.

ومع انتشار فيروس كورونا تبيّن الى كل المسؤولين عن احتواء الوباء، أن التكنولوجيا تستطيع المساعدة وتوفير الدعم، ليس هذا فحسب، فالقطاعات التي تأثرت سلباً بانتشار الوباء تتجه للاعتماد على الاتصالات والمعلوماتية للتغلّب على تحديات الأزمة. 

في لبنان، تمّ الاعتماد على الانترنت لمتابعة تعليم الطلاب وإنقاذ العام الدراسي، كما لمسنا اهتماماً من المؤسسات التعليمية لمواصلة الاستثمار في تقنيات التعليم عن بُعد لرفع جهوزيتها خلال المرحلة المقبلة، وتخطي العراقيل التي قد يضعها انتشار الوباء بوجه استمرارية العملية التعليمية، إذا لم تتوفر شبكة جيدة، لا يمكن لقطاع التعليم تنفيذ هذه الاستراتيجية، كما إن بعض المجالات التعليمية تتطلّب وجود شبكة حديثة ومتطورة لتحقيق النتائج المرجوة، لأن السعة والسرعة الخاصة بالشبكة في هذه الحال تكون ضرورية وتلعب دوراً حاسماً، كذلك ثمة قطاعات تحتاج إلى شبكات اتصالات تتمتع بوقت استجابة Latency قصير لكي تعمل بالشكل المطلوب. والاستجابة هي الوقت الذي يمرّ قبل بدء تدفق البيانات بين نقطتين على الشبكة بعد صدور أمر رقمي ما، كلما كانت سرعة الاستجابة أعلى كلما تمكنت قطاعات اقتصادية أكثر من الاعتماد على الانترنت لتفعيل عملياتها ونشاطاتها في مجالات جديدة مثل انترنت الأشياء.

اليوم في لبنان، كما في بلدان العالم، ينظر الجميع إلى الانترنت، باعتبارها خدمة أساسية في الحياة تماماً كالمياه والكهرباء والطرقات وباقي الخدمات الأساسية. لا فرق اليوم بين أهمية توفّر الطرقات العامة والانترنت، كما باقي القطاعات التي تسمح للناس بالحياة والعمل والدراسة والتطوّر وتحقيق النمو والازدهار، كما لا يمكن الحصول على الخدمات الأساسية في قطاع مثل الكهرباء أو السلامة العامة، من دون توفير شبكة اتصالات حديثة تتيح اتصالاً جيداً بالإنترنت. 

 

مبادرات الصحة والتعليم والتدريب

 

لقد اعتمدنا لبنان كنقطة ارتكاز لأعمالنا ومبادرتنا في منطقة الشرق الاوسط، ولهذا تمّ تأسيس مكتبنا الإقليمي في بيروت لأننا نؤمن بالقدرات البشرية اللبنانية. وفي المجال التدريبي والتعليمي، تدعم هواوي التعليم الأكاديمي في المجال الالكتروني ولهذا تعمل على ثلاثة برامج: الاول هو برنامج "بذور المستقبل"، والثاني مسابقة ICT والثالث هو برنامج مع الجامعات باسم Huawei Academy.

وكانت لنا مبادرات لمساعدة لبنان على مواجهة وباء كورونا في الأشهر الماضية، إذ قدمنا لوزارة الصحة نظامين تقنيين، الأول يوفر الاتصال المرئي بين وزارة الصحة والمستشفيات في لبنان وخارجه، أما الثاني فعبارة عن حل في مجال الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence Assisted CT-Scan)، وهذا الحل يساعد على إجراء تشخيص مُبكر ودقيق للإصابات بفيروس كورونا، علماً أنه يمكن استخدام هذا النظام بعد انقضاء الجائحة للمساعدة على تشخيص أمراض أخرى مثل سرطان الرئة، وقد التقينا خلال تسليم الحلول بوزير الصحة العامة د. حمد حسن حيث تمّ شرح أهمية هذه التقنيات بالنسبة الى نشاطات الوزارة، ونوّه الوزير حسن بأهمية النظام التقني الذي قدمته هواوي خصوصاً وأنه يستند إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي للمساعدة على تشخيص الإصابة بفيروس كورونا. 

وسبق أن أطلقنا مع وزارة الاستثمار برنامج "البذور من أجل المستقبل" في لبنان الذي يهدف إلى تحضير جيل جديد من القادة المستقبليين في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وقد أبدى وزير الدولة الأسبق لشؤون الاستثمار والتكنولوجيا عادل أفيوني اهتمامه بالمبادرة وسلّط الضوء على أهميتها، وقمنا بتوقيع مذكرة تفاهم مع الوزارة بهدف دعمها.  

 

التزام بدعم لبنان

 

هواوي ملتزمة بدعم لبنان خلال هذه الفترة التي تشهد تحديات خطيرة، ونعتقد أن قطاع الاتصالات والتكنولوجيا سيُثبت أنه قوة تساهم في التغيير وإجراء تحوّلات اقتصادية عميقة. وحول العالم، يُثبت هذا القطاع كل يوم قدرته على مساعدة الدول على تخطي العقبات، خصوصاً من خلال إجراء التحوّل الرقمي ودعم مشاريع الحكومة الإلكترونية. ليس هناك من قطاع أو مجال لا يمكن دعمه بالتكنولوجيا والاتصالات، لكن الشرط الرئيسي لاستفادة لبنان من هذا القطاع تبدأ بوضعه على رأس الأولويات وتسخير فوائده لدعم القطاعات كافة. نحن في مرحلة باتت فيها الحلول التكنولوجية في كل ميدان، من التعليم إلى الزراعة ومن المصارف إلى الصحة، ليست هناك خدمة لا تستفيد من التكنولوجيا، ولبنان مؤهّل أكثر من غيره للسير في خطة وطنية تضع المعلوماتية والاتصالات في مقدمة قاطرة التغيير. 

لدينا إيمان كبير بقدرة "طائر الفينيق" على الخروج من الازمة، و"طائر الفينيق الرقمي" هو مشروع له حظوظ كبيرة إذا توفرت له الرؤية والالتزام والمثابرة.