صناعة الساعات: من مصر القديمة إلى سويسرا الحديثة

  • 2020-03-17
  • 08:00

صناعة الساعات: من مصر القديمة إلى سويسرا الحديثة

  • برت دكاش

"الوقت مثل الساقية، لا يمكن لمس مائها نفسه مرتين". لطالما شغل الوقت فكر الكتّاب والشعراء والفلاسفة والفنانين على امتداد العصور، وأصبح مصدر إلهام لهم. وصحيح أن لكل واحد منا مفهومه الخاص بالوقت، لكننا جميعاً متفقون أن الوقت يعني التغيير، وأن الاثنين حتميان في حياة الإنسان. 

إنشغل البشر بالوقت منذ فجر التكوين، ومع التطور الطبيعي للحياة البشرية ونشوء الحضارات، إنكبت كل حضارة على ابتكار أدوات لقياسه لتنظيم ذاتها؛ من الساعة المائية، إلى ساعات الرمل والساعات الشمسية وصولاً إلى الساعات الميكانيكية كما نعرفها اليوم، وتلك الأكثر حداثة؛ الساعات الرقمية.

قياس الوقت

يعود علم قياس الوقت إلى العام 1450 قبل الميلاد، عندما وعى المصريون الأوائل إيقاعات الطبيعة لحركة الأرض، فقسموا النهار إلى فترتين زمنيتين، كل فترة منهما مكونة من  12ساعة، واستخدموا مسلات كبيرة لرصد حركة الشمس، كما طوروا الساعات المائية التي استخدمها كذلك اليونانيون القدماء وأطلقوا عليها اسم "كلايبسيداري" Clepsydare  إليها تضاف الساعة الرملية، وهي إحدى أقدم أدوات قياس الوقت وتشبه وظيفتها وظيفة الساعة المائية، وتعدّ الأكثر تعبيراً عن مفهوم الوقت، حيث يذكّر جريان الرمل في الأنبوبين الزجاجيين بسرعة زوال الوجود.

في الصين القديمة، كما في اليابان القديمة، وإنكلترا وبلاد ما بين النهرين استخدمت الساعة الشمسية لضبط إيقاع الوقت، وتعتمد هذه الساعة على الظلال لتقدير الساعات في يوم مشمس. فيما استخدم على نطاق واسع في الهند والتيبت ما عرف بـ Timestick . أما حضارات المايا في المكسيك، فاستخدمت حجارة ضخمة والأهرامات المعروفة بـ Chichen Itza لقياس الانقلاب الفصلي بين الشتاء والربيع وبين الأخير وفصل الصيف.

الساعة الميكانيكية

ظهرت الساعات المزوّدة بآلية نابضة ميكانيكية وتعمل بطاقة مستخرجة من الماء في القرن الثالث قبل الميلاد، واستخدمت في اليونان القديمة، قبل أن يطور الصينيون، في القرن العاشر، الساعات نفسها إنما تعمل بالطاقة المستخرجة من الزئبق. وبدأ اختراع أول ساعة ميكانيكية وفق المفهوم الحالي لها في العام 1275 في إنكلترا وأنجزت في العام 1386، وهي موجودة في كاتدرائية سالزبوري وتعدّ واحدة من أقدم الساعات التي لا تزال تعمل لغاية اليوم وتقيس الساعات فقط. وفي العام 1300 تمّ في إيطاليا بناء ثلاث ساعات ميكانيكية؛ واحدة منها ساعة فلكية، والثانية تقيس الساعات والثالثة تقدم وظيفة الساعات، وشروق الشمس واليوم والشهر، وكانت جميع هذه الساعات مصنوعة من الحديد إلى حين استبداله في القرن السادس عشر بالفضة، والبرونز والنحاس.

 

 

صناعة الساعات السويسرية

قد يفاجأ من لا يعلم أن صناعة الساعات لم تنشأ في سويسرا، بل كانت إنكلترا رائدة هذه الصناعة واشتهرت بإنتاجها الفاخر من أدوات قياس الوقت، وكذلك اشتهر الفرنسيون بالفنون الحرفية ونقلوها إلى السويسريين الذين لهم الفضل في تطويرها والحفاظ عليها رغم مرور الزمن، وجعلها صناعة رفيعة تستخدم فيها أجود أنواع المواد المعروفة والمبتكرة مثل الذهب والبلاتين والتيتانيوم وألياف الكاربون والألومينيوم، وحديثاً انضم السيليكون والسيراميك، وقد دخل بعض هذه المواد كذلك في صناعة الحركات.

جزء من تاريخ

ترتبط صناعة الساعات في سويسرا بجزء مهم من تاريخ البلاد. ففي العام 1540 ولدت هذه الصناعة في سويسرا التي كانت تشتهر بصناعة المجوهرات في تلك الحقبة، ويرجع ذلك إلى المصلح البروتستانتي جون كالفن الذي حظّر على الناس ارتداء المجوهرات في ضوء نشوء الحركة البروتستانتية الإصلاحية في أوروبا، وأجبر كالفن الصائغين على تعلّم حرفة أخرى، فكانت صناعة الساعات، وقد تزامن ذلك مع وصول صانع الساعات الفرنسي ومبتكر "البندلوم" في العام 1656 كريستيان هوغينز إلى سويسراً حيث وجد ملاذاً آمناً من الاضطهاد الفرنسي للبروتستانت. فتح هوغينز متاجر في جنيف، ومع مرور الوقت تحوّلت المدينة المطلّة على ضفاف بحيرة ليمان إلى مدينة تعج بصانعي الساعات الذين توجه بعضهم إلى جبال الجورا، وعلى إثرها ازدهرت صناعة الساعات السويسرية حيث كان الفلاحون السويسريون يمضون فترة الشتاء في تصنيع الأجزاء المكونة للساعة، ويعززون موقع جنيف بمنحها كامل الجهوزية لزيادة إنتاجها من أدوات قياس الوقت. وفي العام 1850، أي بعد نحو 300 عام، بلغ إنتاج الصانعين السويسريين أكثر من مليوني ساعة مقارنة بنحو 200 ألف ساعة فقط منتجة في إنكلترا.

 

توالي الإنجازات

إستمر تطور الصناعة في سويسرا وتوالت الإبتكارات والإنجازات، ومنها في العام 1801 سجل صانع الساعات الفرنسي- السويسري أبرهام- لويس بريغيه براءة اختراع التوربيون الذي لا يزال التعقيد الأكثر جذباً لهواة جمع الساعات في العالم، ووظيفة التوربيون، حماية أداء الساعة من تأثير الجاذبية. أيضاً داخل مشاغل Breguet أبصرت أول ساعة يد النور في العام 1812 صممت لملكة نابل Reine de Naples والتي تحولت لاحقاً إلى إحدى مجموعات العلامة الأساسية، ولا تزال تنتجها لغاية اليوم، مع الإشارة إلى أن ارتداء ساعات اليد اقتصر في البداية على السيدات، قبل أن تروج بين العسكريين حيث أنتج كونستان جيرارد من جيرارد بيريغو Girard-Perregaux في العام 1880 ألفي ساعة لعناصر البحرية الألمانية.

وفي العام 1862 إبتكر أنطوان لوكولتر في مشاغله في الفاليه دي جو ساعة جيب من دون مفتاح تشغيل بعد أن كان طور حركة رقيقة في العام1770 . وفي العام 1780 إبتكر أول معايير العلامة المعقدة وهو ساعة جيب بتقويم ثلاثي ومرحلة القمر. وكانت ساعات الجيب ظهرت في أواخر القرن السادس عشر وتقدم وظيفة الساعة فقط، ثم أضيف إليها عقرب الدقيقة في العام 1860، فيما ظهر أول عقرب للثواني بعد عشرة أعوام ولم يصبح استخدامه شائعاً إلا بعد وقت طويل.

 

انتكاسة وفورة

وبعد انتكاسة شهدتها صناعة الساعات السويسرية نتيجة دخول الولايات المتحدة على خط صناعة الساعات مطلع القرن الماضي ما أدى إلى تراجع صادرات الساعات السويسرية بنسبة 75 في المئة، جاء ابتكار رولكس Rolex ساعة أويستر Oyster كأول ساعة مقاومة لتسرب المياه في العام 1926 ليعيد الصناعة السويسرية إلى الضفة الرابحة مجدداً، كما كان إصرار السويسريين بعد الحربين العالميتين على ابتكار ساعات موثوقة والإنتباه إلى أدق التفاصيل وإيلائها العناية اللازمة كافياً لتصاعد الطلب مجدداً، وجعلوا ساعاتهم قطعاً يسعى خلفها هواة الجمع من مختلف أنحاء العالم. وفي العام 1930 سجلت شركة برايتلينغ للساعات Breitling Watch Company براءة اختراع أول ساعة بوظيفة إيقاف الوقت وحفظه، وهي وظيفة تشبه وظيفة الكرونوغراف.

 

العصر الذهبي

العصر الذهبي لصناعة الساعات السويسرية، أتى بعد أسوأ أزمة عاشتها ما بين العامين 1970 و1980 مع رواج ساعات الكوارتز اليابانية الفائقة الدقة وذات السعر الزهيد، وخسرت الصناعة نتيجة ذلك نحو نصف العاملين فيها في تلك الفترة.

في العام 1983، أنعشت ساعة Swatch التي جمعت بين شعار صناعة سويسرية وحركة الكوارتز الصناعة وأدت إلى انتعاشها، وكان لها الفضل في منح مؤسساها ومؤسس أكبر مجموعة ساعات في العالم بعد ذلك Swatch Group نيكولا حايك لقب "منقذ صناعة الساعات السويسرية". ولغاية اليوم. وعلى أثر ذلك، نشأت مجموعات كبرى تضم نخبة من الدور الراقية والعريقة في صناعة الساعات التقليدية، حيث إلى Swatch Group التي تضم 18 علامة مصنّعة للساعات، مجموعة Richmont التي تضم 16 داراً للساعات والمجوهرات، وLVMH وKering ، إضافة إلى دور أخرى مستقلة مملوكة من قبل عائلات مثل Patek Philippe وChopard وِAudemars Piguet وغيرها.

وعلى الرغم من ظهور الساعات الرقمية ودخول شركة آبل Apple بقوة على خط إنتاج الساعات الذكية، وتقديم بعض العلامات التقليدية ساعات ذكية في محاولة لمواكبة التطورات وتحسباً لاحتمال تأثير سلبي لهذه الساعات على الصناعة التقليدية، إلا أن الأخيرة لا تزال تحقق مستوى مبيعات مرتفعاً.