لبنان: يد الدولة "تتمدد" الى احتياطات الودائع

  • 2021-06-25
  • 09:05

لبنان: يد الدولة "تتمدد" الى احتياطات الودائع

  • علي زين الدين

 

يميل اللبنانيون أكثر فأكثر الى الاقتناع التام بأن "ما كتب قد كتب" وبأن الطريق الى "جهنم" ستظل معبّدة بآلامهم المبرحة الى حين بلوغ محطة الاصطدام الكبير الذي سيقلب أوضاعهم السياسية ونموذجهم الاقتصادي رأساً على عقب، ويعكس النمط المعيشي والدخل الفردي من المتوسط المرتفع الى الرمق المحدود عند مستويات خطوط الفقر والفقر المدقع.

وقد لا يحتاج الناس الى المزيد من الأدلة ليكتشفوا زيف الباس الحق بالباطل في اعتماد معالجات عقيمة لأمراض مستعصية. وبذلك، لن يستوي توصيف الركون الى الشروط والضمانات، سوى بتشبيه "الاستجارة من الرمضاء بالنار". فالكل يدرك ان "خلع" الشباك الوحيد الصامد في البيت اللبناني المتهالك عبر فتح أبواب المراسيم التنفيذية وربما القوانين التشريعية، لن يثمر سوى ريح نقدية عاتية، تتسلّل منها الدولة لتقويض الحصانة الهشة التي تحمي الاحتياطات الالزامية للودائع في الجهاز المصرفي.

ولأن صحة التقييم لا تكتمل من دون مقارعة القول بمثله ومقارنة الرقم المرسل على عواهنه باحصاءات موثقة، تورد مصادر مالية ومصرفية لـ "أوّلاً-الاقتصاد والأعمال" جملة وقائع أولية تعليقاً على "اتخاذ اجراءات عملية استثنائية لتمكين مصرف لبنان من القيام بالترتيبات اللازمة للحدّ من تمدد الازمة بانتظار التشريعات التي يجري درسها في مجلس النواب والتي من شأنها توفير الحلول الشاملة في ما يتعلق بموضوع الدعم"، وهو ما تمّ اعلانه عقب اجتماع بعبدا الذي ترأسه رئيس الجمهورية ميشال عون، بمشاركة وزير المال غازي وزني ووزير الطاقة ريمون غجر وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وجرى خلاله التشاور هاتفياً مع رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب.

ففي البيان التوضيحي الفوري، أفصح مصرف لبنان فحوى هذه الاجراءات الاستثنائية، مبيناً أنه "في حال إصرار الحكومة على الاقتراض وفقاً للمادة 91 (قانون النقد والتسليف) وبالعملات الاجنبية، ان تعمل على اقرار الاطار القانوني المناسب الذي يسمح لمصرف لبنان باستعمال السيولة المتوافرة في التوظيفات الالزامية مع التزام الحكومة الصريح بإعادة أي أموال مقترضة من مصرف لبنان ضمن المهل المحددة قانوناً في المادة 94 من قانون النقد والتسليف، على ان تكون نسبة الفوائد محددة بحسب المادة 93 من القانون نفسه، بموجب عقد قرض، وان ينص العقد صراحة على ان يتم الايفاء بمعزل عن مسؤوليات الحكومة المتعلقة بقرار التوقف عن الدفع".

وفي وقائع المصادر:

  1. المثير بداية، أن أهل السلطة بمستوياتها كافة كانوا حتى الأمس القريب يتبارزون بإعلاء صوتهم حرصاً على حقوق المودعين الموضوعة الزامياً لدى البنك المركزي، بنسبة 14 في المئة من كامل الوديعة بالعملات الصعبة. فما المستجد الموجب لتمرير نقيض قناعاتهم؟ قد يقال عذابات الناس وهي حقيقة يومية ودامغة، انما كيف يستوي التخفيف من آلام العيش بمد اليد الى حقوق محجوبة عنهم، بفعل نيران أزمات تمدها السلطات عينها بالبنزين الذي يلهث المواطنون آناء الليل والنهار للحصول على النذر القليل منه.
  2. كيف للسلطات بأركانها وكبارها أن "تستسهل" الأصعب فتلجأ الى اقتراض جديد لدولة أشهرت افلاسها، و"تستصعب" الأهون الذي "يفرمل" انحدار البلاد ومعيشة ناسها وأعمال قطاعاتها، من خلال تأليف حكومة جديدة تحظى مسبقاً بوعود العون من المجتمع الدولي، وتستطيع استئناف المفاوضات المعلقة مع صندوق النقد الدولي، لتسجل انجازاً كبيراً في الزمن الرديء، ليس فقط عبر اتفاق دعم وتمويل تحتاجه البلاد بصورة عاجلة وملحة، انما بوضع حجر أساس لإعادة بناء ثقة محلية وخارجية بددها أيضاً أهل السلطة تحت موجبات شعارات شعبوية وحقوق فئوية  .
  3. ليس من المستغرب أن تثير أي عملية اقتراض جديدة بالدولار لصالح الدولة، حفيظة الدائنين الخارجيين الذين يحملون سندات دين دولية ( يوروبوندز) بمبالغ تتعدى 16 مليار دولار من دون احتساب الفوائد . وربما يقود الأمر الى نزاعات قضائية وتحكيمية تكون فيها الدولة بوضعية المتهم بأدلة صنعتها بنفسها. ففصل الدين الجديد عن وضعية الديون المستحقة، بحيث "ينص العقد صراحة على ان يتم الايفاء بمعزل عن مسؤوليات الحكومة المتعلقة بقرار التوقف عن الدفع " وفقاً لبيان البنك المركزي، سيفتح ثغرة في تصنيف المدين، أي الدولة، وموقفه القانوني في أي شكاوى محتملة لدى محاكم دولية كونها تتنصل من حقوق متوجبة للغير، لقاء التزامها بضمان الديون الجديدة .
  4. بمعزل عن المبالغ التي سيتم تحديدها لقيمة القرض الموعود من احتياطات الودائع، والذي يقدر أن لا يقل عن 3 مليارات دولار لتمكين الدولة من تغطية فواتير دعم المحروقات بسعر 3900 ليرة للدولار، وبسعر 1515 ليرة للأدوية الأساسية والقمح وبعض المصاريف الملحة للدولة كالكهرباء والسفارات وسواها ، فإن الترقبات توغل في التشاؤم من فتح هذا الباب طبقاً لمقولة " تجريب المجرّب"، ولاسيما مع توسع التباعد في المواقف بين الأطراف الداخلية ، حيث يتوقع استمرار " الظروف الاستثنائية " الموجبة لتمكين الدولة من الاقتراض الى أمد غير معلوم . وفي محصلة التجربة المتواصلة بددت الدولة أكثر من 10 مليارات دولار من الاحتياطات الحرة لدى البنك المركزي خلال 18 شهراً على تمويل دعم شبه عقيم، فمن يضمن ايصال الدعم المجدد بالقروض الى الناس . ثم، وهو السؤال الأهم ، من يضمن الدولة الضامنة للديون الجديدة كما يطلب البنك المركزي، بعدما جاهرت بتوجيه أقذع الاتهامات الى الحاكمية والمصارف وحملتهم مسؤولية الفجوة المالية للبلاد .
  5. ما دامت الأموال التي تطلبها الدولة تعود للمودعين من خلال المصارف التي يتعاملون معها . فأي منطق قانوني أو عدالة ائتمانية تشرّع التصرف بهذه الأموال من دون العودة الى أصحابها " الشرعيين " ، أي الجهاز المصرفي المسؤول بدوره قانوناً أمام مودعيه الذين أولوه ادارة أموالهم لقاء عوائد محددة ، والحال ان المودع يعجز عن تحصيل سوى مبالغ مقيدة ومشروطة الصرف بالليرة بسعر 3900 ليرة لكل دولار، كما تم خفض الفوائد الى مستويات أقرب الى " الصفر " .
  6. تم استرضاء المودعين مسبقاً بامكانية صرف 800 دولار شهرياً من حساباتهم بدءاً من الشهر المقبل ولمدة عام قابل للتجديد لاحقاً. واقع الحال ان سعر الدولار اقتطع مسبقاً حتى الآن نحو ربع قيمة شريحة الـ 400 دولار التي سيتم صرفها بالليرة وفقاً لسعر المنصة البالغ 12 ألف ليرة لكل دولار ، فيما تعدى سعر الدولار عتبة 16 ألف ليرة في اسواق المبادلات النقدية غير النظامية ، انما هي العاكسة للسعر الحقيقي. أما بشأن الشريحة الأولى الموعود صرفها بالدولار النقدي، فهي معلقة على "التنفيذ"، علماً ان حصيلة العام بكامله ستبلغ 4800 دولار نقدي في حال انسياب الأمور طبقاً لمندرجات التعميم الرقم 158.

الأهم في هذا الجانب ، ان التقديرات تشير الى تخصيص نحو 3 مليارات دولار لتلبية السحوبات لصالح نحو المليون مودع، وموزعة مناصفة بين المصارف والبنك المركزي من خلال ودائع البنوك لديه. للبحث صلة مباشرة ووصلات مترابطة ...