لبنان والصندوق و"غودو" السلطة

  • 2022-04-09
  • 10:40

لبنان والصندوق و"غودو" السلطة

بين الانقاذ المدعوم دولياً والخراب الأعمى بأيدي المنظومة

  • علي زين الدين

 

احتاج لبنان سنتين ونيف لينتقل من فترة النقاش والدرس الى محطة الاختبار الجدي تحت مراقبة تتسم بالصرامة من قبل صندوق النقد الدولي، بعدما خسر في سنتين ونصف من الانهيارات المتدحرجة أكثر من 60 في المئة من ناتجه المحلي، وأكثر من 90 في المئة من قيمة العملة الوطنية، وبدّد أكثر من 20 مليار دولار من احتياطات المدخرات الوطنية، وحشر أكثر من 80 في المئة من سكانه تحت خط الفقر، ليبلغ بهمّة حاكميه حد الارتطام الكبيرالذي ينذر بتقويض تام لمسيرة مئة عام في دولة لبنان الكبير.

القاعدة ببساطة هي "عند الامتحان يكرم الممتحن أو يهان". وفي حالة لبنان، لا تبدو النتائج على قدر رجاء الناس المكتوين بكل أصناف الذل والعوز واللهاث خلف لقمة العيش ودرهم الصحة . فالمنظومة الحاكمة سجلت سقوطاً متعمداً في اختبارات دولية سابقة، وتفنّنت في تبديد مخزون العملات الصعبة والهيّنة بغية شراء الوقت واستغفال المواطنين عبر تبادل كرات المسؤوليات والاتهامات.

ولو قيّض للمجتمع الدولي ومؤسساته الاقتصادية والمالية أن يضعوا علامة، لكان " الصفر" مضيئاً على السجل اللبناني من دون خوض الامتحان الموعود، ومعززاً بطلب ملح لمقاضاة دولية تشمل "المنظومة" بكاملها، والتي تعمّدت دفع البلد واقتصاده الى عنق الزجاجة، مطيحة بركائز الكيان ومقوماته، وضاربة عرض الحائط بكل النصائح الدولية ومستمتعة بآلام الناس وقهر ثورتهم، وفي تهجير أجيال الشباب والكفاءات المتحسرين على أهلهم وأرضهم جنى تعبهم وأعمارهم.

تجارب مريرة

قد يكفي من مدخل الاستدلال والترقب، النظر في مرارة تجربة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ومبادراته الموؤدة في أتون أصحاب القرار في البلد المنكوب. ولمزيد من التعمق، يمكن الاستماع الى شهادات المنسق الفرنسي لمؤتمر سيدر السفير بيار دوكان، والذي عانى الأمرين في إفهام أهل الحل والربط على مدار السنوات التالية لانعقاد المؤتمر في ربيع العام 2018، بأن جائزة "الاصلاح الهيكلي" تصل الى 12 مليار دولار، ومن دونه فإن الانهيار الكبير آت لا محالة. فاستهالوا التخلي عن الفساد وارتضوا الصعود الى الهاوية.

هذه القراءة التي استخلصها موقع "أوّلاً-الاقتصاد والأعمال" من خلال اتصالات سريعة مع مسؤولين كبار في مؤسسات اقتصادية ومصرفية ومع خبراء ومحللين، عقب اشهار الاتفاق الأولي مع بعثة الصندوق التي ختمت جولة المباحثات الأخيرة في بيروت، وهي استندت اساساً الى سجل "المنظومة"، والى التقديرات الملتبسة بتجديد "شبابها" من خلال نافذة الانتخابات النيابية المقررة منتصف شهر أيار/مايو المقبل.

مراقبة "المنظومة"

لكن الخلاصة ذاتها، فتحت باباً موارباً لإمكانية حصول تحولات مغايرة ليس بالضرورة مواءمته مع أهواء من بيدهم الأمر. فالدرك الخطير الذي انحدر اليه البلد وتعثره المالي التام، والذي عبر عنه مجازاً نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي باشهار افلاس الدولة ومصرف لبنان، بلغ في الآونة الأخيرة أعلى درجات المخاطر مع ارتسام مشهدية وشيكة لتحلل الدولة تماماً بموظفيها وبمؤسساتها وبسيادة الفوضى العارمة بديلاً من الاستقرار الأمني الهش والمعيشي المنهك والسياسي المصطنع.

وليس عابراً، ان يتزامن عقد الاتفاق الأولي مع تأكيد الانفراجات "المشروطة" بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي، وتتم ترجمتها بعودة السفيرين السعودي وليد البخاري والكويتي عبد العال القناعي الى بيروت، ويسبقه مبادرة بابا الفاتيكان فرانسيس الى تحديد شهر حزيران/يونيو موعداً لزيارة لبنان. ثم، قبل وبعد، التقدم الكبير في مفاوضات الملف النووي الإيراني وما بدأ يفرزه من تطورات لصيقة في ساحات اقليمية عديدة.

هي مرحلة الترقب والمتابعة بامتياز، ولكل اشارة من اهل السلطة علامة صاعدة أو هابطة بمنسوب التفاؤل. ومن الواضح ان بعثة الصندوق سجلت هدفاً في مرمى السلطتين التنفيذية والتشريعية، بل هي كسبت الجولة ما قبل الحاسمة بمواجهة " المنظومة ". فوضعت حداً فاصلاً لسياسة اضاعة الوقت، وقدمت جزرة الاتفاقية الأولية مقابل حزمة العصي التي أودعتها في أحضانهم، وعلى مسمع العالم بأسره في الداخل والخارج، فلا مجال للمناورات والبهلوانيات بعد اليوم، اما التزام صريح واما لا أموال ولا معونات من الأقربين والأبعدين لهذه الدولة الفاشلة.

في السياق، كان لافتاً ما أبلغه مسؤول مصرفي لـ "أوّلاً- الاقتصاد والأعمال". " جماعة " الصندوق يدركون حال البلد ومسؤوليه أكثر بكثير مما يعتقد البعض، وبالتالي هامش المناورة معهم ضيق للغاية ولن يترددوا، في حال تنصل الدولة من التزاماتها المعلنة، من وضع نقاطهم الصريحة على حروف من يقود البلد وأهله الى "جهنم". ليس ثأراً من السياسيين، بل مصارحة للناس الطيبين الذين بلغ أنينهم أصقاع الأرض، وباتوا مثالاً للشعوب المقهورة بتعمد حكامهم زجهم مفلسين وجائعين في بلد بلا سقف ولا جدران.

في هذا الإطار، كشف بنك "أوف أميركا" في تقرير سبق بيومين الاعلان عن اتفاق لبنان مع الصندوق على مستوى الموظفين، بأنّ السجّل الضعيف للطبقة السياسيّة لناحية تطبيق الإصلاحات خلال العامين الماضيين يضع علامة استفهام حول إمكانيّة تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي، منوهاً بأنه عند الأخذ في الإعتبار حالات مماثلة في دول ناشئة يكشف صعوبة حصول هكذا إتفاق إلّا إذا إستحصل صندوق النقد على ضمانات من الطبقة السياسيّة بإلتزامها هكذا برنامج بعد إنتهاء الإنتخابات.

وقد أجرى البنك تحليلاً لثلاثة سيناريوهات ترتكز على النتائج المحتملة للإنتخابات النيابيّة المقبلة. ويرتكز السيناريو الأوّل المسمّى "تغيير سياسي" والذي يتوقّع بنك أوف أميركا بأنّ إحتماليّة حصوله ضعيفة على حصد المعارضة والمجتمع المدني لغالبيّة المقاعد في المجلس النيابي ما سينتج عنه حكومة إصلاحيّة ستستحصل على دعم كبير من المجتمع الدولي وإبرام صفقة من صندوق النقد وتلقّي لبنان لتدفقّات نقديّة كبيرة وإرتفاع كبير في سعر الصرف الحقيقي لليرة اللبنانيّة وتعاف إقتصادي سريع.

وبالنسبة الى السيناريو الثاني والمسمّى "إستقرار" والذي يعتبر البنك بأنّ إحتماليّة حصوله متوسّطة، فيفترض بأنّ المعارضة والمجتمع سيستحصلان فقط على أقليّة في المجلس النيابي وبأنّ الطبقة السياسيّة الحاليّة ستنجز إتفاقاً مع صندوق النقد الدولي قبل الإنتخابات وعدم حدوث فراغ دستوري بعد الإنتخابات، وسيقود هذا السيناريو إلى استقرار إقتصادي إلاّ أنّ التعافي، سيكون أبطأ.

أمّا بالنسبة الى السيناريو الثالث والمسمّى "بقاء الوضع على حاله" والذي يعتبر بنك أوف أميركا بأنّ إحتماليّة حصوله متوسّطة أيضاً، فيفترض بأنّ الطبقة السياسيّة ستتجنّب توقيع إتّفاق مع صندوق النقد ما سيؤدّي في المستقبل القريب إلى تدهور إضافي في سعر الصرف وإلى إنكماش إقتصادي في النصف الثاني من العام 2022. على الصعيد المتوسّط، فإنّ هذا السيناريو يفترض بأنّ الإقتصاد اللبناني لم يصل بعد إلى أدنى مستوياته وبأنّه عند وصوله إلى هذه المستويات فإنّ التعافي سيكون بطيئاً ما سينتج عنه عقد ضائع على اللبنانيين.

بانتظار "غودو"

بكل الحالات، وفي انتظار "غودو" اللبناني الذي قد يقفز الى المسرح بمعجزة استجابة استثنائية تامة من قبل الحكم والحكومة والمجلس النيابي المودع والمقبل، بدأ الاعلان عن توقيع الاتفاق الاولي بين لبنان والصندوق، بتوليد اشارات ايجابية على الاسواق النقدية والمالية المحلية، وسط انتعاش الآمال بالتزام الحكومة ومجلس النواب بالاستجابة السريعة لاقرار حزمة القوانين الاصلاحية في المجالين المالي والمصرفي والخطوات الاجرائية التكميلية للانتقال الى مرحلة ابرام اتفاقية برنامج تمويلي على مدار 4 سنوات وبقيمة محددة تبلغ 3 مليارات دولار.

ونوّهت مصادر مالية متابعة باحالة رئيس مجلس النواب نبيه بري مشروع القانون المعجل الرامي الى وضع ضوابط إستثنائية ومؤقتة على التحاويل المصرفية والسحوبات النقدية (الكابيتال الكونترول) على اللجان المشتركة، كأولى الخطوات الجدية لالتزام السلطات الدستورية المعنية الشروط الاصلاحية الضرورية لتسريع تطوير الاتفاقية وعرضها بصياغتها النهائية على مجلس ادارة الصندوق.

وبالتوازي، اكّد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ان الاتفاق مع الصندوق حدث إيجابي للبنان، وسيساهم في توحيد سعر الصرف، واعرب عن أمله، في اتصال مع "رويترز"، في تلبية الشروط المسبقة التي حدّدها الصندوق في الاتفاق على مستوى الخبراء، مع لبنان من أجل الحصول على موافقة المجلس التنفيذي للصندوق على برنامج تمويلي متوسط الأمد، علماً ان بعثة الصندوق خصّت مصرف لبنان بشرط القيام "بتوحيد أسعار الصرف لمعاملات الحساب الجاري المصرّح بها، وهو أمر بالغ الأهمية لتعزيز النشاط الاقتصادي، واستعادة المصداقية والجدوى الخارجية، وسيتم دعمه من خلال تنفيذ ضوابط رسمية على رأس المال".

وفي نطاق الاسواق، لوحظ ان اسعار سندات لبنان الدولية شهدت ارتفاعاً قوياً وصريحاً في بورصة لوكسمبورغ، ووصلت نسبته الى الحد الاعلى المتاح والبالغ 10 في المئة، لتصل الاسعار الى متوسط 13 سنتاً لكل دولار، بعدما هوت دون 10 سنتات سابقاً وبلغت نحو 18 سنتاً بالحد الاعلى خلال عام.

شروط على الطاولة

تشمل لائحة الشروط المسبقة التي أودعتها بعثة الصندوق، موافقة مجلس الوزراء على استراتيجية إعادة هيكلة البنوك التي تعترف بالخسائر الكبيرة في القطاع وتعالجها، مع حماية صغار المودعين والحد من اللجوء إلى الموارد العامة، وموافقة البرلمان على تشريع قرار مصرفي طارئ مناسب وضروري لتنفيذ استراتيجية إعادة هيكلة المصارف وبدء عملية إعادة القطاع المالي إلى حالته الصحية، وهو أمر أساسي لدعم النمو، والشروع في تقييم مصرف تلو الآخر بمساعدة خارجية لأكبر 14 مصرفاً من خلال توقيع الشروط المرجعية مع شركة دولية مرموقة.

وقد رحّبت جمعية مصارف لبنان بتوقيع الاتفاق المبدئي مع صندوق النقد الدولي، بوصفه "المخرج الوحيد الحيوي للأزمة الحالية غير المسبوقة، ويشكّل ضرورة لاستعادة الثقة ووضع حدّ للنزف الذي ما زال يطال الاحتياطات المالية المتبقية"، كما شددت على أهمية الاسراع في إقرار التشريعات والإصلاحات اللازمة كافة لتفعيل تطبيق برنامج كامل لصندوق النقد الدولي، بما في ذلك قانون "الكابيتال كونترول" الذي طال انتظاره، واستراتيجية اقتصادية شاملة وإدارة مستدامة للدين، بالإضافة إلى إصلاحات الحوكمة. 

 ولفت بيان عممته الجمعية، الى انها ورغم عدم حصولها على تفاصيل الخطة المالية لإعادة الهيكلة وتوزيع الخسائر على القطاعات المعنية كافة، إلا أنها تبقي أبواب القطاع المصرفي مفتوحة أمام أي حلّ للخروج من هذه الأزمة، وهي تتوقع أن تشمل الخطة توزيعاً عادلاً للخسائر على الحكومة ومصرف لبنان، نظراً الى تراتبية المسؤوليات وبهدف تعزيز عملية استعادة المودعين لودائعهم. كذلك نوهت بأن العمل الجدي بدأ اليوم والعبرة تكمن في امكانية تطبيق الإصلاحات الطموحة المحدّدة كافة في الاتفاقية والتي ترقى إلى درجة عالية من الأهمية، علماً أن القطاع المصرفي من جهته يبقى على أتم الاستعداد لدعم الحكومة للوصول إلى حل عادل يضمن مستقبلاً مزدهراً للبنان.

 كذلك تتضمن حزمة الشروط، موافقة مجلس الوزراء على استراتيجية متوسطة المدى لإعادة هيكلة المالية العامة والدين، وهو أمر ضروري لاستعادة القدرة على تحمل الديون، وغرس المصداقية في السياسات الاقتصادية، وخلق حيز مالي للإنفاق الاجتماعي وإعادة الإعمار الإضافي، وايضاً موافقة مجلس النواب على موازنة 2022 ، للبدء في استعادة المساءلة المالية، اضافة الى قيام مصرف لبنان بتوحيد أسعار الصرف لمعاملات الحساب الجاري المصرح بها، وهو أمر بالغ الأهمية لتعزيز النشاط الاقتصادي، واستعادة المصداقية والجدوى الخارجية، والذي سيتم دعمه من خلال تنفيذ ضوابط رسمية على رأس المال.