ما الذي يجعل من التحول السياحي السعودي منعطفاً تاريخياً للمملكة وللسياحة في العالم؟

  • 2021-06-21
  • 14:03

ما الذي يجعل من التحول السياحي السعودي منعطفاً تاريخياً للمملكة وللسياحة في العالم؟

  • "أوّلاً- الاقتصاد والأعمال"

 

وضعت المملكة العربية السعودية استراتيجية شاملة للتحول إلى قوة سياحية عالمية، وأهم ما في هذه الاستراتيجية قرار حاسم بالاستفادة القصوى من الأصول السياحية والتاريخية والثقافية المتنوعة التي تتمتع بها والتي بقيت لفترة طويلة شبه مجهولة، حيث إن نسبة قليلة من سياح العالم أتيح لهم الاطلاع على هذه الثروة السياحية بمناطقها وثقافاتها والموروث الخاص بكل منها.  

حدث سياحي عالمي

إن التحول السعودي الحماسي والشامل نحو السياحة يعتبر حدثاً سعودياً بمعنى أنه ينهي مرحلة ويطلق مرحلة جديدة في مسار التنمية والتحول السعودي، وهو أيضاً حدث عالمي بمعنى أنه يفتح للسياحة الدولية وللسياح من مختلف أنحاء العالم إمكان الاطلاع لأول مرة في الزمن المعاصر على الكنوز الحضارية والثقافية والطبيعية لبلد يشكل شبه قارة مترامية الأطراف مع مساحة تفوق 2.1 مليون كلم مربع ومجموع سكاني يقارب الـ 35 مليون نسمة وتنوع هائل في المناطق والبيئات الطبيعية الصحراوية والجبلية والبحرية. وكل هذه الإمكانات والقدرات كانت إلى وقت قريب بعيدة عن أنظار السياحة العالمية. لذلك، يمكن القول إن التحول السعودي الاستراتيجي نحو السياحة يمكن اعتباره ربما واحداً من اهم التطورات التي تطرأ على السياحة العالمية منذ انفتاح الصين قبل عقد أو عقدين وانفتاح روسيا ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وهناك على الأرجح عدد كبير من السياح من مختلف أنحاء العالم الذين سيزداد مع الوقت اهتمامهم بالتجربة السياحية السعودية مع نجاح المملكة في بناء البيئة المتكاملة والبنى التحتية ومنظومة الخدمات والمؤسسات والمنتجات والشراكات الدولية والمهارات المحلية التي تقوم عليها الصناعة السياحية.

وزير السياحة السعودي أحمد الخطيب

إحياء التاريخ القديم

أحد أهم التعابير على استفاقة السعودية على مواردها السياحية الضخمة هو ولا شك إعادة الاعتبار من قبل الدولة لمنطقة العلا التراثية التي تعتبر بين أندر الكنوز الحضارة والتاريخية، وهذه المنطقة يعول ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عليها لوضع السعودية على خريطة السياحة العالمية بشكل قوي، إذ يرتبط بها نحو آلاف السنين من تاريخ الحضارات المتعاقبة والعمران والممالك التجارية وخصوصاً النبطية التي شغلت مساحة كبيرة من سوريا وشمال السعودية والأردن كما يرتبط بها جزء من الموروث الديني، إذ يُنسب إعمارها واستخدام الأسلوب الفريد في نحت البيوت في الكتل الصخرية الشاهقة إلى قوم ثمود وهم قوم النبي صالح، ومن هنا تسمية تلك الآثار المدهشة مدائن صالح ومن هنا أيضاً قيمتها الاستثنائية للتراث السعودي والإنساني.

كل هذه العناصر السعودية على استكمالها بسرعة غير عادية، إذ إن هناك أولاً قراراً اتخذ ورؤية واضحة وضعت وأهدافاً وبرامج وآليات تنفيذ واستثمارات ومصادر تمويل وآجال زمنية وتُوِّجت كل هذه المكونات بإنشاء وزارة للسياحة تقود الجهد الوطني في هذا الميدان ثم الهيئة السعودية للسياحة التي يمكن اعتبارها الذراع الترويجية للسياحة السعودية وأخيراً صندوق التنمية السياحية الذي تأسس في صيف العام 2019  وبدأ في تمويل مشاريع سياحية بالشراكة مع البنوك السعودية.

سوق بمكونات متعددة

إحدى أهم نقاط القوة في السياحة السعودية هو التنوع الواضح في مصادر الطلب عليها وبالتالي في التنوع الذي يميز منتجاتها السياحية إذ يمكن هنا الحديث عن أربع أسواق أساسية:

السوق السعودية: والتي تتم تلبية حاجاتها عبر التطوير المتسارع للمواقع السياحية الداخلية وعبر التوسع في إنشاء مرافق الترفيه والرياضة والتسوق وتطوير وتجميل وتخضير المدن الرئيسية وتحديث وتوسيع شبكة المواصلات العامة.

السوق الخليجية: التي ستنجذب إلى أكثر النشاطات السياحية والترفيهية الموجهة للسعوديين لكنها ستمثل طلباً إضافياً أساسياً على المرافق السياحية في المناطق الجديدة في البحر الأحمر ونيوم وكذلك منطقة الرياض وجدة وأبها والطائف ومدن الجنوب فضلاً عن إقبالها المتوقع على الأحداث الرياضية والثقافية والتسويقية.

السوق الإسلامية: وهذه السوق تمثل الخزان الأكبر للسياحة الدينية عبر موسم الحج وموسم العمرة الذي بات مفتوحاً طيلة أشهر العام، وتوفر هذه السوق إمكانات هائلة للنمو وبالتالي فرصاً ضخمة للاستثمار في التسهيلات والمرافق والطاقة الإيوائية ومرافق الترفيه والتسوق في مناطق جدة ومكة والمدينة، وتكفي الإشارة إلى أن العالم الإسلامي يضم أكثر من 1.7 مليار نسمة وأن نسبة كبيرة منهم تعيش في بلدان صاعدة اقتصادياً مثل البلدان الآسيوية بينما يعيش الملايين من المسلمين ويعملون في المجتمعات المتقدمة في أوروبا وأميركا وأستراليا وغيرها. وتستهدف الحكومة السعودية في هذا المجال استقطاب نحو 30 مليون معتمر في العام 2030 في مقابل 6 ملايين معتمر حالياً.

السياحة الأجنبية: السوق الرابعة والتي يتوقع أن تتضمن أكبر طاقات النمو هي سوق السياحة الأجنبية أو الدولية والتي ستكون للسعودية القدرة على تلبية مختلف توقعاتها واهتماماتها من السياحة المهتمة بالتاريخ والثقافة إلى السياحة المهتمة بالمنتجعات الشاطئية أو المدن الجديدة مثل نيوم أو التراث الشعبي السعودي أو الصحراء أو فوهات البراكين والمغامرات أو الجبال الشاهقة في عسير ونجران أو الرياضات والفنون والتسوق، ومن أجل تنمية هذه السوق تم تأسيس الهيئة السعودية للسياحة وإنشاء موقع خاص على الإنترنت بعنوان "زوروا السعودية" وتم أيضاً تسهيل منح التأشيرات الرقمية أونلاين لمواطني 49 دولة حول العالم أو عند الوصول إلى المملكة، وبعد فترة من تعليق هذه التسهيلات ضمن الاحتياطات لاحتواء جائحة كورونا استأنفت المملكة منح التأشيرات السياحية.

جدير بالإشارة أن هذه الأسواق كلها تتقاطع ويرفد بعضها بعضاً، فالسائح الإسلامي بات قادراً على زيارة المواقع السياحية التاريخية، كما إن السائح الخليجي والسعودي سيكون قادراً على زيارة المواقع السياحية الموجهة للسائح الدولي في مناطق البحر الأحمر أو في نيوم أو غيرها، وسيكون عامل الترفيه الذي يستقطب استثمارات ضخمة مكوناً متاحاً للسعوديين والمقيمين والخليجيين في القدية وغيرها، بينما يستهدف استقطاب الأحداث الرياضية العالمية مثل "الفورمولا وان"  و "الفورمولا E " ورالي داكار وغيرها من الاحداث الرياضية العالمية الرئيسية والعديد من المشاريع الموجهة كلها لاستقطاب الأحداث الثقافية والفنية، كل ذلك يستقطب بصورة خاصة السعوديين والخليجيين كما قد يستقطب السياح العالميين من مختلف الأقطار.

 

استراتيجية الطريق السريع

اتخذت القيادة السعودية قرار التحول الحاسم نحو الاقتصاد السياحي وهي تعلم حق العلم حجم الثروات السياحية التي تمتلكها وبالتالي حجم التدفقات السياحية المحلية والخليجية والعالمية التي تنتظرها بمجرد فتح بواباتها البرية والجوية والبحرية أمام الزوار من كل صوب. لكن السعودية التي انتظرت طويلاً قبل تبني السياحة كخيار أساسي لتنويع الاقتصاد تعلم أيضاً أن الدخول الى السياحة من بابها الواسع ووضع المملكة على خريطتها الدولية يتطلبان اختصار المراحل وجهود استثنائية واستراتيجية مبتكرة واستثمارات كبيرة تستهدف كلها تجهيز المملكة في أقصر مدة ممكنة لاستقبال الطلب السياحي المتوقع.

من أجل ذلك، تمّ تبني استراتيجية الطريق السريع حيث تتولى الدولة من دون انتظار الاستثمارات الخاصة التي غالباً ما تأتي في المرحلة التالية من عملية التنمية. وفي هذا السياق، تم أيضاً التركيز على عدد من المشاريع السياحية والعقارية والترفيهية العملاقة Mega projects لتكون بمثابة قواعد البنيان السياحي السعودي ومناطق الجذب التي سيتم التركيز على تطويرها واجتذاب التدفقات السياحية والاستثمارية إليها. ودعمت المملكة استراتيجيتها السياحية بإطلاق صندوق للتنمية السياحية بنحو 15 مليار ريال سعودي (4 مليارات دولار) بهدف توفير التمويل للمشاريع السياحية سواء بالتمويل المباشر أو توفير القروض، وقام الصندوق في المدة الأخيرة بتوقيع اتفاقات مع عدد من مصارف المملكة للمشاركة في تمويل المشاريع السياحية. 

كما تلقت السياحة السعودية دفعة قوية لخططها التوسعية من خلال قرار منظمة السياحة العالمية اختيار الرياض مقراً إقليمياً لنشاطاتها في المنطقة.

ومن أبرز المشاريع التطويرية الضخمة التي يتوقع أن تقود النهضة السياحية السعودية مشروع تطوير ساحل البحر الأحمر ومشروع مدينة نيوم ومشروع أمالا السياحي الذي أعطي اسم "الريفييرا السعودية" كما يدخل ضمن المشاريع الكبرى المخصصة لاجتذاب السائحين مدينة القدية الترفيهية بالقرب من الرياض ومشروع بوابة الدرعية ومشاريع تطوير مدينة الرياض ومشروع تطوير مدينة مكة ومشروع تطوير منطقة العلا ومشاريع تخضير المملكة وتطوير المواصلات العامة السريعة.

استهداف السياحة الراقية

وتستهدف الاستراتيجية السياحية السعودية تنويع العرض السياحي السعودي بين ما هو موجه بالدرجة الأولى للسياحة الداخلية وما هو موجه للسياحة الدينية وبين ما هو موجه للسياحة الدولية مع السعي لتوجيه هذه الأخيرة نحو مناطق جديدة تكون لها نظمها وإداراتها. وعن هذا الطريق يمكن للسعودية أن تستفيد من هذه الميزة لضمان أكبر مرونة ممكنة في إدارة المعروض السياحي، وقد تم اختيار الساحل السعودي للبحر الأحمر المفتوح على صحار وجبال وحضارات تاريخية ومناطق بركانية خلابة ليكون وجهة فريدة للسياحة العالمية، وتم بصورة خاصة اختيار أرخبيل من نحو 90 جزيرة متفاوتة الأحجام ليكون المنطلق لمشروع تطوير ساحل البحر الأحمر. واللافت أن السعودية تستهدف استقطاب نوع معين من السياحة الراقية إلى منتجعات البحر الأحمر ولا تتوقع أن يتجاوز عدد الزائرين لهذه المنتجعات في المرحلة الأولى المليون شخص، وينسجم ذلك مع اعتماد سياحة مستدامة قادرة على التآلف مع البيئة الطبيعية.  

إعادة توزيع للسوق السياحية

تدخل السعودية ميدان التنافس السياحي بجملة  من الميزات التفاضلية التي ستمكنها في وقت قصير من تصدّر المشهد السياحي في الخليج واحتلال موقعها الخاص على خريطة السياحة العالمية. ولذلك، فمن المتوقع أن يؤدي الدخول القوي للسعودية في السوق السياحية الإقليمية إلى "إعادة توزيع" للسوق السياحية في المنطقة، اذ سنشهد معها استحواذ المملكة التدريجي على حصة كبيرة من هذه السوق، وهي حصة تعود لها لكنها بقيت مجمدة لأسباب عديدة اقتصادية وثقافية في العقود الماضية، ومن المرجح أن تتم إعادة توزيع الحصص السياحية من خلال تطورات ثلاثة أساسية:

التطور الأول: هو تحول قسم كبير من السياح السعوديين من المقاصد السياحية الخارجية إلى عناصر الجذب المتزايدة ضمن السوق السعودية، وهذا الأمر واضح في تصريحات المسؤولين عن السياحة السعودية الذين يشددون على أن الهدف الأول من تطوير القطاع السياحي في المملكة هو المواطن السعودي وبالطبع ملايين المقيمين في المملكة وهذه السوق التي يقارب تعدادها أكثر من 30 مليون نسمة هي السوق الأولى.

التطور الثاني: اجتذاب قسم من السياح الخليجيين والسياح العرب إلى السعودية الذين يتطلعون للاطلاع على معالمها الكثيرة التي ستصبح متاحة للسائحين فضلاً عن عوامل الجذب الأخرى.

التطور الثالث: هو اجتذاب قسم كبير من السياح الأجانب إلى التجارب العديدة والفريدة للسياحة في فيافي الصحاري وامتدادات الشواطئ الخلابة والمواقع التاريخية في المملكة العربية السعودية وهذه الفئة هي المرشحة لأن تشهد أكبر نسب من الزيادة بسبب تسهيل الحصول حتى الآن على تأشيرات سياحية لمواطني 49 دولة حول العالم ثم بسبب الإنجاز التدريجي للمشاريع السياحية الكبرى.

 


عامل التكلفة

إن أحد أهم العوامل التي ستساعد في النمو السريع للسياحة في المملكة هو عامل تكلفة الرحلة السياحية إلى المملكة والتي تعتبر وفق الصحافة السياحية المتخصصة معتدلة بالقياس إلى دول اخرى في المنطقة، فبحسب مؤشر معدل تكلفة اليوم السياحي الذي ينشره موقع budgetyourtrip، فإن متوسط تكلفة اليوم السياحي في الإمارات يقارب الـ 198 دولاراً بينما تشير دراسة لموقع Tripnumbers المتخصص إلى أن تكلفة السياحة باليوم في السعودية تقارب الـ 141 دولاراً.

التأثير المتوقع على المنطقة

رغم المنافسة القوية التي ستمثلها المملكة العربية السعودية في السوق السياحية الإقليمية، فإنه من المتوقع أن يؤدي التطور الكبير للسياحة السعودية إلى عوائد كبيرة لجميع البلدان في المنطقة، وذلك نظراً الى التداخل الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي بين المملكة وبين دول الخليج الأخرى، ما سيدفع التدفقات السياحية التي تقصد المملكة إلى توسيع اهتمامها بأسواق المنطقة، كما سيدفع التدفقات السياحية التي قد تقصد الإمارات أو غيرها من دول الخليج إلى توسيع اهتمامها نحو السوق السعودية، ولاسيما وأن هذه القوة الاقتصادية والسياحية الكبرى تتوسط بلدان الخليج وترتبط بها بشبكة متطورة من المواصلات الأرضية والبحرية والجوية فضلاً عن معاهدات تربط بين دول مجلس التعاون تجعل تأشيرة الدخول إلى أي منها صالحة للدخول إلى بقية دول مجلس التعاون.

إن دخول السعودية بقوة سوق السياحة الدولية خبر سار لجميع المعنيين بهذا التطور في السعودية وفي منطقة الخليج وفي العالم.