الدولة تنذر اللبنانيين: الآتي أعظم!

  • 2021-03-15
  • 10:01

الدولة تنذر اللبنانيين: الآتي أعظم!

عتمة ودولار ونزف وصرف من احتياطي الودائع ريثما...

  • علي زين الدين

​ لم تحجب مسارعة مصرف لبنان الى نفي اقدامه على اصدار ورقة نقدية جديدة بقيمة مليون ليرة، حقيقة ذوبان القيمة الشرائية لأوراق العملة الوطنية في لبنان، بحيث صار المليون الحد الأدنى لمصروف الجيب، ويعجز عن تغطية زيارة تموين دورية واحدة الى السوبر ماركت، وبالكاد يوازي ثمن دولاب واحد في السيارة الآيلة الى الركن والخروج من "الخدمة" في حال حصول عطل ميكانيكي.

 

قد يهمك:

ما هو مؤلم وسوريالي في آن واحد، ان هذا "المليون" لا يتوفر لدى غالبية حددها البنك الدولي بما يتعدى 60 في المئة من المقيمين وتنذر بالارتقاء سريعاً الى 80 في المئة من المقيمين في "سويسرا" الشرق. وما هو أنكى، أن من بيدهم "الحل والربط" في لبنان يستمتعون بترف الوقت، وينشدون مراكمة "انتصارات" جديدة في صراع "التوزير" والمحاصصات والاستيلاء على تعب الناس ومدخراتهم وعلى بقايا الدولة وأرصدتها المنقولة وغير المنقولة.

قادم الأيام ينذر بـ "الآتي الأعظم" وبفرك حاد لجروح الناس بملح الدولة الفاشلة. فبعد تفلت الدولار من الحواجز النفسية المفترضة وفرض تسعيرة 13 ألف ليرة وما فوق على لوائح الغذاء والاستهلاك، تقدم عنوان العتمة الشاملة في نهاية الشهر الحالي، اذا لم يتم صرف 1500 مليار ليرة لمؤسسة الكهرباء، وفي الخلفية استحقاق نضوب الدولارات القابلة للاستخدام لتواصل تمويل دعم استيراد المواد الاستراتيجية والاساسية.

 

اقرأ أيضاً:

ظاهرياً، تبدو "سلفة" الكهرباء الأقل استعصاء، انما في الواقع هي كفيلة باستهلاك كامل المليار دولار اليتيم والفائض عن الاحتياط الالزامي على الودائع ضمن احتياط العملات الصعبة لدى البنك المركزي، وهي بذلك تضع مجلس النواب وحكومة تصريف الأعمال ووزارة المال ومعهم مصرف لبنان أمام تحدي الاختيار للتمويل "الأخير"، بين تواصل الدعم الضروري للقمح والدواء والمحروقات فقط وبين تلبية احتياجات الكهرباء لأشهر معدودة.

ما يتم التداول به، كحل وسطي على الطريقة اللبنانية المعهودة للدولة ورجالاتها بانكار الوقائع المفزعة والتنصل من المسؤوليات والموجبات الموضوعية المتصلة بنواة الأزمات التي تتدحرج بوتيرة متسارعة في اتجاه الاصطدام الكبير. ومن المرجح أن يفضي التوجه – غير المعلن حتى الساعة - الى تبديد "رمق" احتياط المودعين من خلال الاختباء حول لافتة اباحة المحظورات لتغطية الضروريات. أما في السيناريو المرتقب، فالمسرح تكتمل جهوزيته بالتهويل حيناً والحرص دوماً على "الشعب" ومعاونته في معركته ضد البنك المركزي والمصارف، وبما يلزم من تعميم "فتاوى" قانونية تبيح الصرف من الاحتياطي الالزامي طالما ان مبالغه غير مستحقة السداد، بل هي تزيد وتنقص بحسب الحجم الفعلي للمدخرات الدولارية.  

 

للمتابعة:

اقتضى هذا "السيناريو" تخويف العامة من العتمة وامكانية انضمام اصحاب المولدات الى صانعيها. وتوسع "التهويل" لاظهار التداعيات التلقائية لانقطاع التيار على امدادات المياه وقطاع الاتصالات والانترنت والارتفاعات الصاروخية في كلفة الاشتراكات الخاصة. بالتوازي تتكفل المضاربات على الليرة، والمسنودة اساساً بخلفية التشرذم الداخلي والتمترس خلف الحقوق الطائفية والحزبية المكتسبة، بنزف صارخ في القدرات الشرائية المنهكة أصلاً. ولم يغب عن الميدان رفع خراطيم محطات المحروقات والترويج المكثف لتوقعات ارتفاعات "مذهلة" لسعر مادة البنزين في الفترة القريبة المقبلة، كذلك بدأ سريان "التسعير" المتفلت في كلفة الاستشفاء والمستلزمات الطبية غير المدعومة.

هذه العينات وسواها، تضمن تمرير اي اقتراحات بالحد الأدنى من الاعتراض او المشاكسة. ولن يكون بمقدور حاكمية مصرف لبنان ولا الجهاز المصرفي طبعاً، رفض الاستجابة لضرورات السحب من الاحتياط بذريعة "ريثما " تثمر المساعي الهادفة الى الافراج عن الحكومة الجديدة، ويتولى "العطار" بمعاونة المجتمع الدولي مهمة اصلاح ما تم انفاقه وإعادة عقارب الساعة الى الوراء، وهي حكماً مهمة مستحيلة بدليل ان التكلفة الحقيقية لتمرير"الوقت المستقطع" تعدت اضعاف ما يمكن للبلد أن ينشده من مساعدات وقروض، ولاسيما مع سيطرة وباء "كورونا" ومقتضياته في تجيير موازنات الدول لمكافحته ودرء سقوط الأسواق واقتصادات العالم.

في الأرقام، يبلغ اجمالي الاحتياط نحو 17.5 مليار دولار منتصف هذا الشهر، ومع فرضية تواصل السحب وفق منسوب الانفاق الساري حالياً على الدعم والكهرباء والاحتياجات الخارجية الخاصة بالدولة يقدر أن يتقلص الى ما دون 10 مليارات دولار، فيستهلك بذلك نحو 6 مليارات دولار من احتياطي الودائع. أما في حال "ترشيد" الدعم فيؤمل خفض السحوبات المخصصة للدعم من نحو 6 الى نحو 4 مليارات دولار للعام الحالي، ما يقلل جزئياً من الضغط على الاحتياطي الالزامي.

في المحصلة المرئية، الدولة "تستسهل" صرف ما يتعدى 10 مليارات دولار حقيقية على بند الدعم وحده في سنتين، وسط النمو السلبي للاقتصاد من ناتج يفوق 50 مليار دولار الى ناتج يقل عن 19 مليار دولا، وهي "بريئة" من رمي الناس والاقتصاد في بئر "ابن يعقوب"، بل هي "تزهو" بتلويث سمعة البلاد المالية وباخراج البلد ومؤسساته من الأسواق المالية الدولية للمرة الأولى في تاريخ تعاملاتهم معها.