صناعة الإعلان: أي مستقبل في ضوء "كوفيد-19؟

  • 2020-08-22
  • 11:00

صناعة الإعلان: أي مستقبل في ضوء "كوفيد-19؟

  • برت دكاش

شأن قطاع الإعلان في العالم والمنطقة، شأن جميع القطاعات الاقتصادية التي تضررت من وباء كورونا، بل لعلّه من القطاعات الأكثر تضرراً بحسب ما تظهره الأرقام، ويؤكد عليه رئيس مجلس إدارة مجموعة TBWA\RAAD رمزي رعد.

ويقول رعد في حوار خاص مع "أولاً- الاقتصاد والأعمال" إن "ما بعد كورونا لن يكون كما قبله على الرغم مما كانت سوق الإعلان تشهده من تحدّيات قبل الجائحة فرضتها التطورات التكنولوجية وما رافقها من تطور لافت في قنوات التواصل التي غيّرت المشهد الإعلاني بصورة عامة، فضلاً عن الركود الاقتصادي في عدد من الأسواق العالمية، وأزمة النفط والاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة. جميع هذه التحديات أرخت على سوق الإعلانات، إلا أن التوقّف عندها اليوم لم يعد مجدياً، بل أصبح من الماضي، والمهم هو ما ينتظرنا في المستقبل".

 

"كوفيد-19" وخيبة الأمل

 

في شباط/ فبراير الماضي، نشر موقع مجلة أراب آد المتخصصة في الإعلان توقعات عن نمو سوق الإعلان العالمية بنسبة 7.1 في المئة ليصل إلى 660 مليار دولار في العام الحالي، مترافقاً مع نمو الاستثمار في الإنترنت، كما كان متوقعاً أن يسجّل الإنفاق في وسائل الإعلام التقليدية مجتمعة نمواً بنسبة 1.5 في المئة إلى 324.5 مليار دولار، وهو النمو الأول له منذ العام 2011، وفق شركة WARK المتخصصة في رصد التسويق الدولي.

وأضاف الموقع أنه كان من المتوقع أيضاً، عودة الإنفاق الإعلاني في التلفزيون إلى النمو بنسبة 2.5 في المئة إلى 192.6 مليار دولار، مدعوماً بالانتخابات الرئاسية الأميركية والألعاب الأولمبية في اليابان، كما كانت التوقعات بأن تستأثر شركة "الفابيه" (الجزء الأكبر منها محقق بواسطة محرك البحث غوغل بنسبة 77.0 في المئة) و"فايسبوك" على 231.9 مليار دولار في 2020 من إجمالي الإنفاق الإعلاني، متقدّمَين للعام الثاني على التوالي على حصة التلفزيون.

لكن سفن كورونا غيّرت اتجاه أشرعة الشركات وحوّلت هذه التوقعات الإيجابية التي استمرت الى غاية منتصف آذار/ مارس تقريباً، إلى توقعات سلبية جداً، "إذ انخفض الإنفاق الإعلاني إلى أدنى مستوياته للمرة الأولى منذ ثمانية أعوام"، وفق ما يفيد رئيس مجلس إدارة مجموعة TBWA\RAAD رمزي رعد، مؤكداً أنه "منذ العام 2012 لم نشهد مثل هذا التراجع الذي بلغ ذروته فقط خلال الأزمة المالية العالمية، وهو الآن يسجل رقماً قياسياً".

ويتابع رعد مستشهداً باستطلاع للرأي أجراه الاتحاد العالمي للمعلنين Wrold Federation of Avertisers أونلاين خلال مرحلة الحجر شمل 32 شركة تسويق عالمية تمثّل 10 قطاعات صناعية وتجارية. ويقول إن "حجم الإنفاق الإعلاني لهذه الشركات العام 2019 في المؤسسات الإعلامية التقليدية بلغ 57 مليار دولار، وتوقعت هذه الشركات المستطلعة انخفاض حجم سوق الإعلان في العالم في نهاية حزيران/ يونيو 2020 بنسبة 32 في المئة، وبالفعل، أكّدت شركات الرصد الإعلاني في العالم هذا التراجع".

ويضيف رعد: "كما أظهر الاستطلاع أن 81 في المئة من هذه الشركات المستطلعة، كانت أوقفت لدى إجراء الاستطلاع في آذار/ مارس الماضي ميزانيتها الإعلانية للعام 2020 بسبب كورونا وتداعياته من إغلاق، وتقييد لحركة الخروج والسفر وغيرها".

 

الشرق الأوسط ومصير التوقّعات

 

لا يختلف المشهد في الشرق الأوسط عن العالم. فوفق Zenith Media، بلغ حجم الإنفاق الإعلاني العام 2019 نحو 3 مليارات دولار، مع توقعات بالانخفاض إلى 2.69 مليار دولار في العام 2022، وعلى الرغم من عدم القدرة على تحديد حجم تأثير "كوفيد-19"على هذه التوقعات، إلا أن أسواق المنطقة تأثرت بتداعيات الفيروس وإن بنسب متفاوتة، وذلك تبعاً لطبيعة وحجم السوق، ويلفت رعد إلى "تراجع لافت للنظر في حجم الإنفاق الإعلاني نتيجة لجائحة كورونا"، فقد بلغ إجمالي حجم الإنفاق الإعلاني في التلفزيون، والصحف والمجلات في النصف الأول من العام الحالي وفق بيانات مجموعة PHD Media نحو 2.85 مليار دولار، مقابل 3.42 مليارات في النصف الأول من العام 2019، أي بتراجع نسبته نحو 16.7 في المئة، وسجّلت الصحف أعلى نسبة تراجع بنسبة 46.6 في المئة من 6.26 ملايين دولار إلى 3.34 ملايين، والمجلات بنسبة 44.2 في المئة من 31.23 مليون دولار إلى 17.41 مليون. أما التلفزيون، فقد سجّل أدنى نسبة تراجع بلغت 16.4 في المئة من 3.38 مليارات دولار إلى 2.83 مليار دولار"، ويعزو رعد التراجع الطفيف في حجم الإعلان التلفزيوني في المنطقة إلى أن الإغلاق رفع إلى حدّ ما نسبة المشاهدة في بعض الأسواق خلال فترة الحجر". وفي هذا السياق، تشير الأرقام الصادرة عن شركة IPSOS في آذار/ مارس الماضي إلى ارتفاع معدّل مشاهدة التلفزيون والساتلايت في لبنان بنسبة 21 في المئة، غالبيتهم من الذكور، ولاسيما لدى من تتراوح أعمارهم ما بين 35 و45 عاماً والذين سجلوا زيادة في مشاهدة التلفزيون بنسبة 28 في المئة، كما ارتفع عدد الذين بدأوا يشاهدون التلفزيون والساتلايت بنحو 132 ألف فرد.

 

تراجع ملموس في أسواق الخليج

 

وفي التفاصيل عن أداء أسواق الخليج، يعيد رعد التأكيد على أن نسب التراجع تختلف بين سوق وأخرى، علماً أن سوق الإمارات تبقى الأفضل أداء على الرغم من التراجع الذي سجّلته. ويقول: "تُعدّ السوق الإماراتية واحدة من الأسواق النشطة التي شهدت أدنى مستويات انخفاض في الإنفاق على صعيد المنطقة التي تسجل تراجعاً في إجمالي حجم الإنفاق الإعلاني، وذلك مطلع العام الحالي وخلال العام الماضي وسابقه".

وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى الاختلاف في القنوات التي تنفق فيها الميزانيات الإعلانية بين دولة وأخرى. فاللوحات الإعلانية الخارجية تتصدر قائمة القنوات في كل من الإمارات والكويت، بينما يتصدر التلفزيون هذه القنوات في السعودية، والصحف في كل من قطر والبحرين.

وبحسب PHD Media، سجل إجمالي الإنفاق الإعلاني والذي يشمل إلى التلفزيون، الصحف، والمجلات، واللوحات الإعلانية الخارجية، والسينما والراديو تراجعاً في أسواق الخليج بنسبة 30.88 في المئة خلال النصف الأول من العام الحالي مقارنة بالفترة نفسها من العام 2019، وتراجع إجمالي الإنفاق في الإمارات بنسبة 35.6 في المئة، والسعودية بنسبة 24.8 في المئة، وقطر بنسبة 14.2 في المئة، والبحرين 30.8 في المئة والكويت 65.0 في المئة.

وسجل الإنفاق في اللوحات الإعلانية الخارجية أعلى نسبة تراجع بلغت نسبتها 33.8 في المئة، وقد سجلت الكويت أعلى نسبة تراجع في هذا المجال بلغت 65.8 في المئة، وتلتها السعودية بنسبة 59.2 في المئة، مقابل 27.2 في المئة في الإمارات، و12.0 في المئة في قطر حيث لا تتعدى حصتها من إجمالي الإنفاق الإعلاني 22 في المئة، في حين استأثر التلفزيون بحصة الأسد من الإنفاق مع 51.7 في المئة في النصف الأول من العام الحالي مقابل 65.4 في المئة في الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك في وقت استأثرت اللوحات الإعلانية في الإمارات على سبيل المثال بالحصة الأكبر من الإنفاق الإعلاني والتي زادت نسبتها في النصف الأول من العام الحالي إلى 48.0 في المئة من 42.5 في المئة في النصف الأول من العام 2019، وذلك على الرغم من الإغلاق والحجر.  

ووفقاً لأرقام Zenith Media للعام 2019، بلغ الإنفاق الإعلاني في الإنترنت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 1.18 مليار دولار العام الماضي، مع توقعات، قبل ظهور "كوفيد-19"، بنموه إلى 1.2 مليار دولار في 2022.

 


تحول في الوسيلة والمحتوى

 

فرض الدخول في عصر الرقمنة، قبل أكثر من عقد من الزمن، تغيرات جذرية على صناعة الإعلان لم تقتصر فقط على بروز قنوات جديدة، إنما حتّمت تحولاً في النص والرسالة الإعلانية نفسهما، كل ذلك، للتكيّف مع هذه التغيّرات التي طاولت المعلنين بالدرجة الأولى مخترقة نمط عملهم وإستراتيجياتهم التسويقية، وجاءت جائحة كورونا لتسرّع وتيرة هذا التحوّل وتدخل عدد من الشركات في سباق مع الزمن لتوسعة حضورها الرقمي أو الانخراط فيه. وشهد العالم والمنطقة تملّك عدد من شركات الإعلان الكبرى لشركات متخصصة بالإعلان الرقمي أو استحداث وحدات لديها متخصصة في هذا المجال. ويذكّر رعد في هذا السياق قائلاً: "إننا جميعنا اضطررنا الى تغيير أسلوب عملنا، وجهاز خدماتنا وتعلّم أمور جديدة. فالعالم يتغيّر بسرعة"، شارحاً أنه "في السابق كانت الحملة الإعلانية التي تحمل الرسالة نفسها تستمر لأعوام، بينما الوضع تغيّر الآن، وبات علينا أن نغيّر بوتيرة سريعة جداً، حتى أنه بات بمقدورنا تعديل الإعلان نفسه في أي وقت أو سحبه وما شابه ذلك في أية لحظة، لقد تغيّرت اللعبة تماماً، ولا نزال جميعنا نتعلمها".

ويضيف رعد قائلاً إنه "ووفق استطلاع الاتحاد العالمي للمعلنين، فإن 79 في المئة من الشركات المستطلعة، غيّرت في إستراتيجياتها الإعلانية نتيجة تداعيات كورونا، عملاً بمقولة الصناعي الكبير هنري فورد الشهيرة "إن التاجر الذي يوقف حملاته الإعلانية أملاً بتوفير المال، هو أشبه بالإنسان الذي يوقف الساعة أملاً بتوفير الوقت"، ويوضح أنه "قبل الجائحة، كانت إعلانات الشركات تتمحور حول مفهوم "بيع العلامة" Brand Sell، أي أن تعلن مثلاً شركة "بروكتر آند غامبل" عن مسحوق الغسيل "اريال" أو معجون الأسنان "كرست"، والآن أوقفت كل هذا النوع من الإعلان وحوّلت إستراتيجيتها الإعلانية إلى خدمة إعلانية عامة Public Service Advertising، مثل دعوة الناس إلى ملازمة منازلهم، وغسل أيديهم باستمرار، والانتباه من كورونا، وارتداء قناع الوجه لمحاربة الفيروس. هذا النوع من الإعلان الذي يصبّ في مصلحة البشرية"، يقول رعد. ويضيف: " على سبيل المثال، أنتجت وكالتنا التي تمثل شركة نيسان للسيارات في أسواق الشرق الأوسط والهند والعديد من الأسواق المجاورة فيلماً إعلانياً يظهر طريقاً طويلة خالية تماماً من السيارات أو المشاة مع التعليق التالي:

"الطريق فاقدكم، وأكيد إنكم فاقدينها، وهالفترة، ببيوتنا نقضيها، لنا معكم عِشرة عمر، وثقة لنا سنين، نبنيها

هي مرحلة فترة وتمر، وبوعيننا ننهيها، هي تضحية لليوم، وقصة....لاولادنا نرّويها، ​خلّينا بأمان.. ونلتزم بيوتنا، نيسان". وقد نفذت فكرة الفيلم نفسها في المملكة العربية السعودية، والكويت، وقطر، ومصر، والهند، وجنوب أفريقيا، وتركيا ونيوزيلندا".

ويكمّل رعد: "أما التحوّل الثاني الذي حصل، فهو في استخدام الوسائل الإعلامية، حيث جرى التوقف عن استخدام الوسائل التقليدية، والتحوّل أكثر إلى الإعلام الرقمي الذي لا يحتاج الإعلان فيه إلى ميزانيات كبيرة، بعكس إنتاج فيلم إعلاني تلفزيوني أو إعلان في وسيلة إعلامية أخرى، ولاسيما أن هذه الشركات المعلنة لا يمكن أن تتهاون بمستوى إعلاناتها التي يجب أن تعكس صورتها. ويمكن في الإعلام الرقمي اختصار الإعلان بمدة زمنية لا تتعدى الثواني المعدودة، وإنتاجه محلياً، وتفادي التعرض لخطر الإصابة بالفيروس"، ويشير إلى أن هذا هو الاتجاه العالمي اليوم".

 

لبنان حالة خاصة

 

في الحديث عن لبنان، يأسف رعد لما آلت إليه الأوضاع في البلاد والتي كان لها أثر عميق على قطاع الإعلان، قائلاً إنه "من سوء حظنا أن البلد خرب بشكل كبير جداً". وتظهر أرقام PHD Media تراجعاً كبيراً جداً في حجم الإنفاق الإعلاني في لبنان في نهاية حزيران/ يونيو الفائت مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فقد سجّل الإنفاق الإعلاني هبوطاً حاداً إلى 281.3 مليون دولار من 823.7 مليون دولار، أي بتراجع نسبته 65.8 في المئة، وانخفض الإنفاق الإعلاني في التلفزيون الذي يستأثر بالحصة الأكبر من إجمالي حجم الإنفاق من 693.1 مليون دولار إلى 257.2 مليون دولار، أي بتراجع نسبته 62.8 في المئة، مع العلم أن حصة التلفزيون من إجمالي الإنفاق الإعلاني بلغت في النصف الأول من العام الحالي 91.4 في المئة مقابل 84.1 في المئة في الفترة نفسها من العام الفائت.

كما تراجع الإنفاق الإعلاني في المجلات بنسبة 85.2 في المئة من 6.8 ملايين دولار إلى 1.0 مليون، واللوحات الإعلانية بنسبة 86.0 في المئة من 99.2 مليون دولار إلى 13.8 مليون دولار، والراديو بنسبة 58.3 في المئة من 18.6 مليون دولار إلى 7.7 ملايين، والصحف بنسبة 71.7 في المئة من 5.2 ملايين دولار إلى 1.4 مليون دولار، والسينما بنسبة 92.1 في المئة من 658.4 ألف دولار 51.7 ألف دولار.  

  

 

"لا عودة إلى ما قبل كورونا"

 

يختم رعد مذكّراً بأن "لا عودة إلى مرحلة ما قبل كورونا"، لكنه يدعو إلى "التطلّع إلى غد مختلف تماماً آمل أن يكون غداً أجمل، الإنتاجية فيه أعلى والإبداع فيه يأخذ بعداً مختلفاً، وآمل أن نبدع كما في كل مرة تواجهنا أزمة ونتجاوزها، قد تكون فترة الانتظار أو التعوّد على الواقع الجديد طويلاً، إنما لا شك سنتخطاها".

ويستطرد قائلاً: "لقد مررنا بأوقات صعبة كثيرة، ربما ليست أصعب من انفجار بيروت في الرابع من آب/ أغسطس الجاري، لكنها كانت حرجة بالنسبة إلى المهنة، ولا شك نال لبنان الجزء الأكبر منها. لقد مررنا باجتياح العراق حيث أغلقت على أثره جميع المحطات التلفزيونية، فتوقفت الأعمال ولم نعد ندخل فلساً واحداً إلى محفظتنا فاضطر العديد من الشركات إلى تسريح موظفين لديها". ويكمّل: "حتى في ظل الحرب اللبنانية واصلنا عملنا، وكنا كل يوم ننفض عنا الغبار وننطلق من جديد و آمل أن يبقى لبنان كذلك، ينفض عنه الغبار وينطلق مجدداً. لا شك أن قطاع الإعلان يعاني كثيراً، لكنه، كما دائماً، سيزدهر من جديد"، ودعا الجيل الجديد إلى "الانفتاح لتقبّل التعلّم لأن لا أحد يملك المعرفة المطلقة وادعاؤها سيقود حتماً إلى الفشل".

 

الإنفاق الإعلاني في لبنان في النصف الأول 2020 –دولار أميركي
الوسيلة الإعلامية النصف الأول 2020 النصف الأول 2019 (التغيير (في المئة
تلفزيون 257,230,941 693,105,078 -62.88
لوحات إعلانية 13,826,095 99,218,708 -86.06
راديو 7,774,244 18,685,480 -58.39
مجلات 1,008,725 6,824,783 -85.21
صحف 1,494,291 5,286,928 -71.73
سينما 51,780 658,435 -92.13
المجموع 281,386,076 823,779,412 -65.84