كورونا يرسخ مكانة مواقع التسوق الإلكتروني.. فماذا بعد؟

  • 2020-05-03
  • 08:00

كورونا يرسخ مكانة مواقع التسوق الإلكتروني.. فماذا بعد؟

  • رانيا غانم

 

أعطت أزمة فيروس كورونا المستجد وما ترافق معها من سياسات العزل الوقائي والحجر الصحي زخماً كبيراً لمواقع التجارة الإلكترونية في الدول العربية خصوصاً الخليجية منها، وأفادت المواقع من هذه الفورة وحققت نتائج غير مسبوقة، إذ باتت غالبية مشتريات المستهلكين الملتزمين منازلهم قسراً، تتم عبر الإنترنت الأمر الذي ساهم في ارتفاع عدد العملاء وتضاعف نسبة المبيعات لديها.

نمو في فترات زمنية قياسية

هذا النوع من التجارة ليس جديداً على بلدان الخليج التي تمتلك بنية تحتية الكترونية مؤهلة، إذ كان عدد كبير من رواد الأعمال بادر خلال الأعوام الماضية إلى إنشاء مواقع إلكترونية للتسوق متخصصة في مجالات عدة بدءاً بالمواد الغذائية والاستهلاكية والأدوات المنزلية مروراً بالأجهزة الإلكترونية وصولاً إلى الألبسة ولوازمها، وقد نجحت شركات ناشئة عدة في التوسع وتمكنت من الاستمرارية ومن جذب أصحاب رؤوس الأموال الجريئة للاستثمار فيها.

وهكذا، تمكنت الشركات الناشئة وفي غضون فترة قصيرة من تأسيسها الاستحواذ على حصة لا بأس بها في السوق وتكوين شبكة كبيرة من العملاء، فنجحت شركات ناشئة مثل "نعناع"، المتخصصة في شراء وتوصيل المنتجات من السوبر ماركت، والتي تأسست في العام 2016 في السعودية، في اثبات جدارتها في مجالها، وبحسب حديث مدير التواصل التسويقي في الشركة إبراهيم القرعاوي إلى "اوّلاً-الاقتصاد والأعمال"، فإن نعناع حققت نمواً هائلاً في فترة قصيرة، ولاسيما بعد أن تحوّلت من سوبرماركت إلكتروني إلى market place أي وسيط بين تجار التجزئة والمستهلك.

ومثل نعناع، تمكنت شركة Sprii المتخصصة في بيع جميع المنتجات المتعلقة بالأمهات، من حجز مكانتها في هذه السوق، وتشير سارة جونز المؤسس والرئيس التنفيذي في الشركة إلى "أولاً-الاقتصاد والأعمال" إلى أن الموقع منذ تأسيسه في العام 2015 كان يشهد نمواً بنسبة مئة في المئة سنوياً، وبات يتخطى عدد المستخدمين للموقع الذي يقدم خدماته في دول مجلس التعاون الخليجي المليون شهرياً.

كذلك، حقق موقع "دبشي" أيضاً، والذي يعمل كوسيط بين البائع والمشتري ويسلم المنتجات إلى المناطق التونسية كافة، نمواً هائلاً منذ تأسيسه في العام 2016، وتشير أماني منصوري المؤسس والرئيس التنفيذي في الموقع إلى "أولاً-الاقتصاد والأعمال" إلى أن أداء الموقع كان جيداً خلال تلك الفترة إذ بات معروفاً جداً على صعيد البلد، وتمكنت الشركة في العام الأول من تأسيسه من إنشاء مواقع لها في المغرب والجزائر. ويبلغ عدد عملاء الموقع حالياً 500 ألف عميل، وتجاوز عدد المعاملات التجارية في أربع سنوات مئة ألف معاملة، مؤكدة أن الموقع بدأ يدر الأرباح في العام الثاني من تأسيسه، وتضيف: "هذا النوع من الأعمال مربح جداً، على الرغم من وجود نفقات تشغيلية مرتفعة".

أمّا موقع "مكسب" الذي أسسه رائدا الأعمال بلال المغربل ومحمد بن حليم في العام 2018 فتمكن من تأمين المنتجات لأكثر من 22 ألف تاجر تجزئة وتسليم أكثر من 40 ألف شحنة في مصر.

جائحة كورونا تعزز التسوق الالكتروني

هذا النمو المتسارع الذي حققته الشركات الناشئة العاملة في مجال التسوق الإلكتروني، تعزز مع ظهور جائحة كورونا، حيث أعطته الأخيرة دفعاً قوياً نتيجة الارتفاع غير المسبوق في الطلب.

ففي عزّ أزمة كورونا نجحت الشركات الناشئة العاملة في مجال التسوق الإلكتروني في جذب شركات الاستثمار الجريء والحصول على تمويل لتوسعة مشاريعهم، وقد حصلت نعناع حديثاً على تمويل بقيمة 18 مليون دولار، ويشير القرعاوي إلى أن هذا الاستثمار سيحدث نقلة نوعية للشركة وسيساهم في تحسين تجربة العملاء وزيادة الوعي حول العلامة التجارية "نعناع"، وستفيد أيضاً نعناع من هذا التمويل للتوسع في باقي دول المنطقة. ويوضح أن عدد العملاء الذين حملوا التطبيق بشكل لافت للإنتباه ومن فئات عمرية مختلفة. ويقول: "شهدنا نمواً سريعاً بعد الأزمة يتمثل في ستة أضعاف ما كان عليه سابقاً". ويلاحظ أن حجم السلة الاستهلاكية ارتفع بشكل كبير عما كان عليه سابقاً لسببين، الأول هو الهاجس من انقطاع بعض المواد الغذائية وبالتالي شراء منتجات لا يحتاجونها بالضرورة، والثاني يعود إلى ارتفاع الاستهلاك المنزلي نتيجة التزام الناس منازلهم.

أما شركة Sprii فقد حصلت على تمويل بقيمة 15 مليون دولار، واستثمرت الأموال، وفق جونز، لدعم فريق العمل تقنياً ومادياً ولتحسين الشق التقني في الشركة وحملات التسويق. وحصل موقع دبشي أخيراً على تمويل بقيمة 300 ألف دولار، وستستثمر الأموال لولوج أسواق جديدة، وتشير منصوري إلى إطلاق موقع جديد لدبشي في مصر، وتضيف أن الموقع شهد ارتفاعاً بنسبة 50 في المئة في الشهر الماضي مقارنة مع الشهر الذي سبقه. وتشرح أن الطلب ارتفع كثيراً في تلك الفترة على الأدوات الخاصة بنشاطات الأطفال بهدف تسليتهم والترفيه عنهم في ظل سياسة الحجر التي فرضت. وتلفت النظر إلى ارتفاع نسبة المبيعات على المنتجات الغذائية الخاصة بالأطفال والحفاضات تحديداً بنسبة 105 في المئة، ومواد التنظيف والمعقمات، وكذلك منتجات القهوة والإسبريسو بنسبة 97 في المئة خلال الشهر الحالي بالمقارنة مع الشهر الماضي. واعتماد التعليم عن بعد، أدى إلى ارتفاع مبيعات المنتجات الحرفية واليدوية بنسبة 384 في المئة، والقرطاسية بنسبة 226 في المئة. وشهدت Sprii ارتفاعاً بنسبة 86 في الأدوات المنزلية والكهربائية المخصصة للمطبخ، وكذلك في فئة الأدوات المنزلية الخارجية. وتقول:" كان يوجد لدينا كميات وافرة من المنتجات قبل بداية الأزمة، لذا كنا قادرين على تلبية حاجات جميع العملاء بسرعة كبيرة".

بدورها، تؤكد منصوري أن أزمة كورونا خلقت ثورة جديدة في عالم التسوق الإلكتروني، مشيرة إلى أن الجائحة أدت إلى تحول جذري في العادات الاستهلاكية للتونسي عموماً خوفاً من انتقال العدوى، والعميل الذي كان يتردد في شراء المنتج عبر الإنترنت، باتت الوسيلة الأفضل لديه. وبالنسبة إلى دبشي تحديداً، تشير منصوري إلى أنه في بداية الأزمة لم يلحظ تغيراً أو ارتفاعاً في الطلب، لأن المستهلك كان يبحث عن الحاجات الضرورية كالمواد الغذائية، لكن "بعد فترة قصيرة بدأنا نشهد ارتفاعاً ملحوظاً في عدد العملاء والعمليات التجارية، وكذلك دخول مستخدمين جدد".

على الرغم من التحديات .. الفرص واعدة

وفي مقابل كل نجاح ثمة تحديات، وفي هذا السياق يشير القرعاوي إلى أن التحدي الأبرز خلال الأزمة كان المحافظة على جودة الخدمات المقدمة للعملاء، وهذا تطلب منهم تدريب الكثير من الوكلاء الجدد الذين تمّ توظفيهم للحفاظ على تلك الجودة، ولاسيما أن نعناع تقدم خدماتها في 14 مدينة في السعودية.

وبالنسبة إلى جونز، فإن بداية الطريق كانت معبّدة بالتحديات، لافتة الانتباه إلى أن خلق الثقافة والوعي والثقة بالمواقع الإلكترونية تتطلب من فريق العمل جهداً ووقتاً ولاسيما في السعودية.

وتتفق جونز مع منصوري لجهة صعوبة إيجاد المهارات والكفاءات المتخصصة في مجال التسوق الإلكتروني، لأن الحاجة كبيرة إلى مهندسي برمجة. وتضيف منصوري: "ثمة صعوبة كبيرة في إيجادهم لأن معظمهم يذهب للعمل خارج البلاد"، وتتابع أن الحصول على التمويل كان من أبرز التحديات، ولكن "وجودنا في مسرعة Flat6Labs Tunisia، وحضورنا الدائم في الأماكن التي يتواجد المستثمرون فيها ساعدنا على تخطي المرحلة".

لكن على الرغم مما سبق، فإن أصحاب هذه المواقع يراهنون على تبدّل أهواء المستهلكين، إذ لطالما كان التسوق والتبضع في المراكز التجارية أحد أبرز وسائل الترفيه والتسلية في بلدان الخليج العربي، وتنظم العائلات زيارات عدة أسبوعياً لشراء حاجياتهم والترفيه عن أنفسهم في المولات، إلا أن القرعاوي يؤكد أن اعتماد المستهلك على الإنترنت لشراء حاجياته سيصبح توجهاً في المرحلة المقبلة.

قد تكون الحال مغايرة لبعض المنتجات مثل الألبسة والأزياء، وتشير جونز في هذا الصدد إلى أن متعة التسوق من المحال التجارية ستبقى طاغية على الكثير من المنتجات مثل الألبسة والأزياء، لكنها ترجح أن تصبح تلك المحال منافذ بيع لعرض المنتجات فقط نظراً الى عدم امتلاكها المساحات الكافية لتخزين كميات كبيرة من المنتجات، على أن يتم توصيلها وتسليمها من قبل شركة Sprii، أمّا بالنسبة إلى منصوري من دبشي فإن محال الألبسة التقليدية في تونس بدأت تفكر بالتحول أيضاً نحو إنشاء مواقع إلكترونية. وتقول: "كورونا أقنعت المستهلك التونسي بأهمية التسوق الإلكتروني، إذ لم يكن لديه ثقة بها قبل أزمة كورونا".

 

في المحصلة، لا تزال الفرص للإنتشار والاستحواذ على حصة أكبر في السوق متاحة أمام مواقع التسوق الإلكتروني، وتظهر الأرقام الفرص الوافرة للتوسع ودخول لاعبين جدد. ويشير القرعاوي إلى أن الفرص في السعودية وحدها وافرة جداً لأن القدرة الشرائية للمستهلكين مرتفعة، و70 في المئة من المواطنين من فئة الشباب معتادين على استخدام التكنولوجيا، ويقول: "لا نزال في بداية الرحلة، والآفاق مفتوحة من بابها الواسع، لتلبية الطلب لملايين العالم في المنطقة".